لماذا يحافظ النظام الجزائري على هذا العداء المستمر تجاه المغرب؟

30 July 2025 - 13:04

هذا العداء ليس عابراً ولا عقلانياً. بل هو عداءٌ ممنهج، متجذر في أزمة شرعية عميقة يعيشها النظام الجزائري، الذي يحتاج إلى عدو دائم يلهي به الشعب عن إخفاقاته الداخلية.

منذ استقلالها، بنت الجزائر سرديتها السياسية على حرب التحرير.

وبما أن هذه السردية لم يتم تجديدها، فقد انغلق النظام على نفسه في أيديولوجيا دفاعية، جعلت من المغرب “الآخر” الذي يجب إسقاطه.

في المقابل، يمثل المغرب ملكية تاريخية، ودبلوماسية مرنة، ومشروعاً قارياً هيكلياً، وانفتاحاً مفترضاً نحو إفريقيا والأطلسي.

هذا التباين، الذي لا يُحتمل نفسياً، يزعج النظام الجزائري المتصلب.

وراء الهوس بالصحراء المغربية يختبئ حلم جيوسياسي تم إحباطه: الوصول إلى المحيط الأطلسي.

وبما أن الجزائر لا تملك سواحل على الأطلسي، فقد دعمت إنشاء ما يسمى بـ”دولة صحراوية” وهمية لتأمين ممر نحو المحيط.

وبالتالي، فإن موقف الجزائر لا ينبع من دعم مبدئي لتقرير المصير، بل من حساب جيوسياسي انتهازي، يتناقض مع مبادئ القانون الدولي المتعلقة بإنهاء الاستعمار.

كما يرفض النظام الجزائري معالجة مسألة الأراضي الشرقية المغربية التي تم اقتطاعها خلال الاستعمار الفرنسي.

مع أن اتفاقاً تم توقيعه سنة 1961 مع الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية كان ينص على التفاوض حول هذه الحدود بعد الاستقلال.

لكن هذا الاتفاق لم يُحترم لاحقاً.

لقد تحولت هذه السياسة التصادمية إلى عقيدة بقاء: عَسْكرة الدبلوماسية، تلاعب بالتاريخ، تعليم منحاز، دعاية إعلامية ممنهجة.

يُبذل كل جهد ممكن لتقديم المغرب كـ”تهديد وجودي”.

وقد قامت النخبة الأمنية الجزائرية، المتمثلة في دائرة الاستعلام والأمن، بصياغة الرأي العام من خلال تلقين منهجي، محو الروابط التاريخية مع المغرب، بل وتجريم أي صوت يشكك في هذه السردية.

المفارقة أن المغرب كان قد دعم بشكل نشط كفاح الجزائر من أجل الاستقلال.

لكن هذا الفصل من التاريخ تم محوه من الكتب المدرسية والذاكرة الرسمية، حتى لا يُزعزع سردية النظام.

على الصعيد الدولي، أصبحت الجزائر تعيش في عزلة: توترات مع إسبانيا، فتور مع فرنسا، انسحاب من الهياكل الإقليمية.

وفي الوقت نفسه، تقوم بتمويل البوليساريو بمليارات الدولارات… دون أي مكسب استراتيجي يُذكر.

في الجوهر، هذا العداء ليس إلا فراغاً سياسياً يُسقطه النظام إلى الخارج.

فالجزائر لم تعد تعرف كيف تعيش دون عدو.

وتُفضل العزلة على التعاون المغاربي.

أما المغرب، فيرسم مساره الخاص دون أن يسمح للعداوة بأن تُعرّفه.

لكن النظام الذي لا يستطيع البقاء إلا من خلال العداء، فهو محكوم عليه بالسقوط.

والتاريخ يُثبت أن أي نظام بلا رؤية، بلا مشروع، بلا مصالحة مع تاريخه، فهو عالق في مأزق استراتيجي وهوياتي.

شارك المقال

شارك برأيك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *