منير لكماني : ألمانيا
قد يبدو غريبا أن نسأل عن علاقة مضيق هرمز بثمن الأضحية في المغرب أو غيره من البلدان. فالمضيق يقع بعيدا عن الأسواق الشعبية، وعن “الرحبات” التي تعرض فيها الخرفان قبل عيد الأضحى. لكن الإقتصاد الحديث جعل المسافات أقصر مما نتخيل. فما يحدث في ممر بحري ضيق قد يترك أثره في سعر الوقود، وفي كلفة الشحن، وفي ثمن الأعلاف، ثم يصل في النهاية إلى جيب المواطن الذي يبحث عن أضحية مناسبة.
أهمية مضيق هرمز
يعد مضيق هرمز من أهم الممرات البحرية في العالم، لأنه طريق رئيسي لعبور النفط والغاز وبعض السلع الحيوية. لذلك فإن أي توتر عسكري أو سياسي في هذه المنطقة يثير قلق الأسواق العالمية بسرعة. وعندما تخاف شركات النقل والتأمين من الخطر، ترتفع كلفة الشحن. وعندما تتعطل حركة السفن أو تتباطأ، ترتفع أسعار الطاقة والمواد المرتبطة بها. هذه الزيادات لا تبقى محصورة في البورصات العالمية، بل تنتقل تدريجيا إلى حياة الناس اليومية.
كيف ينتقل الأثر إلى الأعلاف؟
تربية المواشي لا تقوم فقط على الأرض والماء والقطيع، بل تعتمد كثيرا على الأعلاف. فالكساب يحتاج إلى الشعير والذرة والأعلاف المركبة، وبعض هذه المواد يرتبط بالسوق الدولية، سواء في الإنتاج أو النقل أو التخزين. فإذا إرتفع سعر النفط، إرتفعت كلفة نقل الأعلاف بالشاحنات والسفن. وإذا إرتفعت كلفة الأسمدة، تأثرت الزراعة التي تنتج جزءا من هذه الأعلاف. وهكذا يجد المربي نفسه أمام مصاريف أكبر، حتى لو لم يتغير عدد رؤوس قطيعه.
الوقود والنقل حلقة حاسمة
لا يمكن أن يصل الخروف إلى السوق من غير نقل. فهناك نقل الأعلاف إلى الضيعات، ونقل المياه أحيانا، ونقل القطيع إلى الأسواق، ثم نقل الأضحية إلى المدن والبيوت. كل هذه المراحل تحتاج إلى الوقود. لذلك، حين ترتفع أسعار الطاقة بسبب إضطراب في مضيق هرمز أو غيره من الممرات البحرية، يصبح النقل أكثر كلفة. وقد لا تظهر الزيادة دفعة واحدة، لكنها تتراكم في حسابات المربي والتاجر والوسيط، ثم تظهر في السعر النهائي.
لماذا يبرز الأمر قبل عيد الأضحى؟
تزداد حساسية السوق مع إقتراب عيد الأضحى، لأن الطلب على الأضاحي يرتفع في وقت قصير. في الأيام العادية، قد يستطيع السوق إمتصاص بعض الزيادات. أما قبل العيد، فإن الأسر تبحث عن الأضحية في الفترة نفسها تقريبا، والكسابة يحاولون تعويض ما أنفقوه على العلف والرعاية والنقل. فإذا كانت السنة صعبة بسبب الجفاف أو غلاء الأعلاف أو إرتفاع الوقود، فإن سعر الخروف يصبح أكثر تأثرا بأي صدمة خارجية.
المربي الصغير هو الحلقة الأضعف
أكثر من يتضرر من هذه التقلبات هو المربي الصغير أو المتوسط. فهذا الكساب لا يملك غالبا مخزونا كبيرا من الأعلاف، ولا قدرة مالية على تحمل إرتفاع الأسعار لمدة طويلة. وقد يشتري العلف بالدين، أو يضطر إلى بيع بعض رؤوس القطيع لتغطية المصاريف. لذلك فإن أي زيادة في كلفة الطاقة أو الشحن قد تضغط عليه بسرعة. وحين تضيق هوامش ربحه، لا يجد أمامه إلا رفع السعر أو البيع بخسارة.
دور الدولة والوسطاء
تتدخل الحكومات أحيانا بدعم الشعير أو الأعلاف المركبة، أو بإجراءات لتخفيف العبء عن المربين. هذه التدخلات مهمة لأنها تمنع إنتقال الصدمة العالمية مباشرة إلى المستهلك. لكن الدعم وحده لا يكفي دائما، لأن السوق قد يتأثر أيضا بالوسطاء والمضاربة وتكاليف النقل المحلية. لذلك قد يكون القطيع متوفرا، ومع ذلك تبقى الأسعار مرتفعة بسبب سلسلة طويلة من المصاريف والهوامش بين الضيعة والمستهلك.
الخروف ليس بعيدا عن البحر
ثمن الأضحية ليس مسألة محلية صرفة. صحيح أن الجفاف، وحجم القطيع، والطلب، والقدرة الشرائية، ودور الوسطاء كلها عوامل مباشرة ومهمة. لكن مضيق هرمز يمكن أن يكون عاملا غير مباشر ومؤثرا. فحين يتوتر هذا الممر البحري، ترتفع كلفة النفط والشحن والتأمين والأسمدة، ثم ترتفع كلفة الأعلاف والنقل، وبعدها يجد المواطن نفسه أمام خروف أغلى في السوق. وهكذا يكشف سعر الأضحية أن الإقتصاد العالمي يدخل بيوتنا أحيانا من أبواب لا ننتبه إليها.