منير لكماني : ألمانيا
أثار استعمال مصطلح «النمذجة» في الخطاب التربوي الأخير كثيرا من التساؤلات، خاصة أن المفهوم قد يبدو غامضا أو تقنيا لمن يتابع الشأن التعليمي من خارج دوائر الإختصاص. وقد زاد من هذا الغموض ما نقل عن وزير التعليم، محمد سعد برادة، وهو يحاول شرح المقصود بالنمذجة داخل البرلمان، حين قال: «عندنا طريقة النمذجة باش التلميذ يفهم كيفاش خصو يدير باش يفهم كيفاش يدير، هادشي اليوم كولشي كايعتارف بيه». وهي عبارة أثارت السخرية، لا لأن موضوع النمذجة بلا قيمة، بل لأن طريقة شرحه جاءت ملتوية، وجعلت مفهوما تربويا معروفا يبدو وكأنه لغز لغوي يحتاج هو نفسه إلى نمذجة لفهمه.
غير أن النمذجة التربوية، في معناها الدقيق، ليست فكرة معقدة ولا إجراء شكليا، بل هي من صميم الفعل التعليمي الناجح. إنها تعني، ببساطة، أن يتعلم المتعلم من خلال نموذج واضح يراه ويفهمه، قبل أن يطلب منه تطبيقه بنفسه.
فالتعليم لا يقوم دائما على الشرح اللفظي أو التلقين المباشر. كثيرا ما يحتاج المتعلم إلى أن يرى كيف تنجز المهمة، وكيف تبنى الفكرة، وكيف يحل الإشكال، وكيف يتخذ السلوك المناسب. لذلك، فالنمذجة ليست أن نقول للتلميذ: «حلل النص»، أو «إكتب فقرة»، أو «إحترم قواعد الحوار»، بل أن نضع أمامه نموذجا عمليا يبين له كيف يفعل ذلك خطوة خطوة. هنا يتحول الأستاذ من مجرد ملقن للمعرفة إلى وسيط يوضح طرائق التفكير والعمل والسلوك.
ويرتبط هذا المفهوم بأعمال عالم النفس الكندي ألبرت باندورا، صاحب نظرية التعلم الإجتماعي، الذي أكد أن الإنسان يتعلم بدرجة كبيرة عبر الملاحظة والمحاكاة. فالطفل لا يكتسب لغته وسلوكاته الأولى من التعليمات فقط، بل من النماذج التي تحيط به داخل الأسرة والمدرسة والمجتمع. وكذلك التلميذ لا يتعلم المهارات المدرسية بمجرد سماع القواعد، بل حين يرى أمامه طريقة تطبيقها في وضعيات واضحة ومنظمة.
وتأخذ النمذجة التربوية صورا متعددة؛ فقد تكون سلوكية عندما يقدم الأستاذ أو المربي نموذجا في إحترام الوقت، وحسن الإنصات، وآداب النقاش، والعمل الجماعي. وقد تكون معرفية عندما يكشف المدرس للتلاميذ مسار تفكيره أثناء حل مسألة رياضية أو تحليل نص أدبي، فيبين لهم كيف يطرح السؤال، وكيف ينتقي المعطيات، وكيف ينتقل من الملاحظة إلى الإستنتاج. وقد تكون مهارية، كما في التكوين المهني والتجارب العلمية، حيث يتعلم المتعلم إستعمال أداة أو إنجاز تقنية من خلال مشاهدة نموذج ثم محاكاته. وقد تكون رمزية حين تؤثر القصص والشخصيات التاريخية أو العلمية أو الرياضية في بناء القدوة لدى الناشئة.
غير أن قيمة النمذجة لا تكمن في التقليد الآلي، بل في تحويل النموذج إلى وسيلة للفهم والإستقلالية. فالمتعلم يبدأ بالملاحظة، ثم يحتفظ بالخطوات الأساسية، ثم يجرب الأداء بنفسه، ثم يطوره تدريجيا عبر التصحيح والتغذية الراجعة. ومن هنا، فإن النمذجة الجيدة لا تصنع تلميذا ناسخا، بل تلميذا قادرا على إستيعاب الطريقة وإعادة توظيفها في وضعيات جديدة.
وتزداد أهمية هذا الأسلوب في المدرسة اليوم، لأن كثيرا من صعوبات التعلم لا تعود إلى ضعف المتعلمين وحدهم، بل إلى غموض المطلوب منهم. فحين يطلب من التلميذ إنتاج جواب منظم دون أن يرى نموذجا للجواب، أو إنجاز بحث دون أن يتعلم خطوات البحث، فإننا نطالبه بنتيجة لم نعلمه طريقها. أما النمذجة، فتجعل التعلم أكثر عدلا ووضوحا، لأنها تكشف المسار قبل أن تطالب بالإنجاز.
ومع ذلك، ليست كل نمذجة إيجابية. فالمتعلم قد يكتسب السلوك السلبي بالسهولة نفسها التي يكتسب بها السلوك الإيجابي. فإذا كانت النماذج المحيطة به قائمة على العنف، أو التمييز، أو السخرية، أو الفوضى، فإن المدرسة تفقد جزءا من وظيفتها التربوية. لذلك، فإن الحديث عن النمذجة يفرض سؤالا أساسيا: أي نماذج نقدمها لأبنائنا؟ أهي نماذج للمعرفة والإنضباط والمسؤولية، أم نماذج للتبخيس والإرتجال واللامبالاة؟
في السياق التعليمي المعاصر، تتوسع النمذجة لتشمل التعليم الرقمي، والدروس المصورة، والمحاكاة، والتعلم بالمشروع، بل وحتى تطبيقات الذكاء الاصطناعي التربوي. غير أن نجاحها لا يتوقف على الوسائل وحدها، بل على وضوح الرؤية، وتكوين المدرسين، وتوفير نماذج تطبيقية قابلة للإستعمال داخل القسم.
لذلك، إذا كانت النمذجة التي تتحدث عنها الوزارة تعني جعل المدرسة أكثر وضوحا وعملية، وتقريب المعرفة من المتعلم عبر المثال والتطبيق، فهي إختيار تربوي وجيه. أما إذا بقيت مجرد مصطلح جديد دون تحديد ولا تكوين ولا شروط للتنزيل، فإنها قد تنضاف إلى قائمة المفاهيم التي تثير النقاش أكثر مما تغير الواقع. فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ من الكلمات، بل من تحويلها إلى ممارسات مفهومة ونافعة داخل الفصل الدراسي.