مع انطلاق موسم العبور الصيفي وبدء توافد الجالية المغربية المقيمة بالخارج إلى أرض الوطن، تعيش عملية مرحبا 2025 حالة من الترقب والتوجس في ظل أجواء اجتماعية محتقنة في كل من فرنسا وإسبانيا. الإضرابات التي أعلن عنها في الدولتين تمثل تهديداً مباشراً لانسيابية هذه العملية، التي تعد واحدة من أضخم التحركات البشرية الموسمية في العالم، حيث تشهد عبور ملايين المغاربة من أوروبا نحو المغرب خلال أشهر الصيف.
في فرنسا، دخلت فئات من موظفي الطيران المدني ومراقبي الحركة الجوية في إضرابات جزئية ومتكررة منذ منتصف شهر يونيو، احتجاجاً على ظروف العمل ومطالب مادية ومهنية، مما أدى إلى اضطرابات واسعة في حركة الطيران. عشرات الرحلات الجوية نحو دول المغرب العربي تم إلغاؤها أو تأخيرها، خاصة الرحلات المتجهة إلى الدار البيضاء، الرباط، فاس ومراكش. وقد أثرت هذه الاضطرابات بشكل مباشر على الجالية المغربية التي فضلت التنقل جواً لقضاء عطلتها الصيفية أو زيارة الأقارب، ووجد كثيرون أنفسهم مجبرين على تغيير مواعيد سفرهم أو دفع مبالغ إضافية لحجز رحلات جديدة، في ظل الارتفاع الكبير الذي عرفته أسعار التذاكر في السوق الأوروبية.
أما في إسبانيا، فإن التهديدات تبدو أكثر حدة، حيث أعلنت نقابات عمال الموانئ وشركات الملاحة البحرية عن برنامج إضرابي يمتد من 20 يوليو إلى 20 أغسطس، وهي الفترة التي تمثل الذروة في حركة العبور. الإضراب، وإن لم يكن شاملاً، يعتمد على توقفات يومية خلال ساعات محددة، لكنه كفيل بإرباك عملية عبور العبارات التي تربط الموانئ الإسبانية الجنوبية بمثيلاتها المغربية، خاصة ميناء الجزيرة الخضراء الذي يعتبر الشريان الرئيسي لعملية مرحبا. ويُتوقع أن يؤدي هذا الإضراب إلى تأخير مواعيد الرحلات البحرية وتزايد أوقات الانتظار داخل الموانئ، الأمر الذي قد ينعكس على الحالة النفسية للمسافرين ويتسبب في ازدحامات خانقة في مناطق العبور.
الجالية المغربية تجد نفسها اليوم بين مطرقة السماء وسندان البحر، إذ لا يوجد مسار تنقل مضمون بالكامل في ظل الظرفية الحالية. ومع غياب بدائل فعالة، يضطر كثير من المغاربة إلى اتخاذ قرارات سريعة ومكلفة للحاق بمواعيدهم العائلية أو المهنية. كما أن الخلل الذي قد يصيب تنظيم العملية في ميناء واحد قد ينعكس على باقي الموانئ، نظراً للتنسيق المعقد والدقيق الذي تقوم عليه عملية مرحبا كل عام.
وتُطرح في هذا السياق عدة تساؤلات حول مدى جاهزية السلطات المغربية لمواجهة هذه الوضعية. فرغم الجهود المبذولة سنوياً لضمان سلاسة العبور، يبقى التنسيق مع السلطات الأوروبية حاسماً لتفادي شلل جزئي أو كلي في تدفق الجالية. كما أن استمرار الاعتماد شبه الكلي على موانئ ومطارات أوروبية دون تطوير بدائل داخلية أو مغاربية يعرض العملية لضغوط متكررة.
عملية مرحبا لم تعد مجرد عبور موسمي، بل تحولت إلى لحظة رمزية في وجدان مغاربة العالم، تجمع بين الحنين للوطن والحاجة لربط الصلة بالهوية والعائلة. غير أن هذه اللحظة المميزة أصبحت في السنوات الأخيرة مهددة بسلسلة من التحديات اللوجستية والسياسية والاجتماعية، أبرزها الإضرابات والظروف الاقتصادية في بلدان الإقامة.
وبين رغبة العودة إلى الديار والصعوبات التي تعترض الطريق، تبقى الجالية المغربية في الخارج مطالبة هذه السنة بمرونة أكبر، وصبر مضاعف، واستعداد نفسي ومادي لمواجهة مفاجآت السفر. كما أن السلطات المعنية مطالبة بتعزيز تدابير الاستباق، وتوفير قنوات تواصل آنية وفعالة، لضمان استمرار عملية مرحبا كجسر إنساني ومجتمعي ناجح يربط المغرب بأبنائه في الخارج، مهما بلغت التحديات.