منير لكماني : ألمانيا
لا تختزل القضايا الكبرى المرتبطة بالتهريب في العقوبات الحبسية وحدها، رغم أنها الأكثر جذبا لاهتمام الرأي العام. فالقراءة القانونية الهادئة تكشف أن الجزء المالي من الحكم قد يكون أشد أثرا من السجن نفسه، لأنه يصيب المال والعقار والحسابات البنكية والذمة المالية، وقد تمتد آثاره سنوات طويلة بعد انتهاء العقوبة السالبة للحرية.
الأساس الأول لهذا المنطق يوجد في مدونة الجمارك، التي لا تنظر فقط إلى الفعل من زاوية الجريمة الجنائية، بل من زاوية عبور البضائع للحدود خارج القانون. فالفصل 23 ينص على أنه: “تعتبر محظورة جميع البضائع التي يكون إستيرادها أو تصديرها ممنوعا بأي وجه من الوجوه، أو خاضعا لقيود أو لضوابط الجودة أو التكييف أو لإجراءات خاصة”. ومعنى ذلك، ببساطة، أن البضاعة الممنوعة لا تخرج من رقابة الجمارك، بل تصبح محلا لمساءلة جمركية خاصة.
ولهذا إعتبر الفصل 279 المكرر مرتين أن من بين الجنح الجمركية من الطبقة الأولى: “إستيراد أو تصدير المخدرات والمواد المخدرة ومحاولة إستيرادها أو تصديرها بدون رخصة أو تصريح”. هذا النص يوضح أن التهريب هنا لا يخلق مسؤولية جنائية فقط، بل يفتح أيضا باب المسؤولية الجمركية، بما فيها الذعائر والمصادرة.
وتزداد خطورة الجانب المالي مع الفصل 279 المكرر ثلاث مرات، الذي ينص على أن العقوبة تشمل: “غرامة تعادل ضعف قيمة البضائع المرتكب الغش بشأنها”، إضافة إلى “مصادرة البضائع المرتكب الغش بشأنها ووسائل النقل والبضائع المستعملة لإخفاء الغش”. ومعناه أن المحكمة لا تعاقب الشخص على الفعل وحده، بل تضرب أيضا الوسائل والعائدات والقيمة الإقتصادية للعملية.
كما يقرر الفصل 214 من مدونة الجمارك أن “الغرامات الجبائية المنصوص عليها في هذه المدونة تغلب عليها صبغة تعويضات مدنية، غير أنها تصدر عن المحاكم الزجرية ويجب الحكم بها في جميع الحالات ولو لم تلحق الأفعال المرتكبة أي ضرر مادي بالدولة”. هذا يعني أن إدارة الجمارك لا تطالب بنصيب من الربح غير المشروع، بل بحقوق مالية يخولها لها القانون، حتى عندما لا يكون الضرر المباشر ظاهرا.
أما الفصل 219 فيفسر كيف تصل الأرقام إلى مستويات ضخمة، إذ ينص على أنه إذا كانت الغرامة محددة بحسب قيمة الشيء محل الغش، فإن الحساب يشمل “قيمة الأشياء المحجوزة وقيمة الأشياء التي تعذر حجزها وفقا لما وقع إثباته بكل الوسائل القانونية”. أي إن عدم العثور على كل البضاعة لا يمنع احتساب قيمتها إذا ثبت وجودها قانونا.
الأخطر من ذلك هو التضامن في الأداء. فالفصل 231 ينص على أن المحكوم عليهم من أجل نفس الغش أو مخالفات جمركية مرتبطة “يلزمون على وجه التضامن بالمصادرات أو بالمبالغ التي تقوم مقامها وكذا الغرامات والمصاريف”. وبعبارة مبسطة، يمكن للإدارة أن تطالب أي واحد من المحكوم عليهم بالمبلغ كاملا إذا وجدت لديه أموالا أو عقارات قابلة للحجز، ثم يبقى له هو أن يرجع على الباقين.
ولا يقف الأمر عند الجمارك. ففي مخالفات الصرف، ينص الفصل 15 من ظهير 30 غشت 1949 على أن المخالف يعاقب بالسجن وبذعيرة لا تقل عن “خمس مرات قدر قيمة الذهب القانونية أو العملة أو قيمة السندات أو الحقوق أو المنقولات أو العقارات المرتكبة فيها المخالفة”. كما يؤكد الفصل 18 أن المحكوم عليهم لأجل جريمة واحدة “متضامنون في الذعائر والأشياء الواقع حجزها وفي جميع العقوبات المالية”.
وتدعم القواعد العامة في القانون الجنائي هذا الإتجاه، إذ يعرف الفصل 42 المصادرة بأنها “تمليك الدولة جزءا من أملاك المحكوم عليه أو بعض أملاك له معينة”. كما يسمح الفصل 43 بمصادرة الأدوات والأشياء التي استعملت أو كانت ستستعمل في إرتكاب الجريمة أو التي تحصلت منها.
لذلك، فالعقوبة المالية في جرائم التهريب ليست تفصيلا تابعا للحكم، بل جزء أساسي من فلسفة التجريم والعقاب. فالدولة، من خلال الجمارك ومراقبة الصرف والقانون الجنائي، لا تستهدف الفعل الإجرامي وحده، بل تستهدف كذلك المال الذي يغذيه ويحمي إستمراره. ومن هنا، قد تكون المصادرة والذعائر والغرامات هي الضربة الأشد والأطول أثرا، لأنها لا تنتهي بإنتهاء مدة السجن، بل تمتد إلى الممتلكات والذمة المالية، وتعيد رسم الوضع الإقتصادي للمحكوم عليه لسنوات طويلة.