نزيف الحرف على صمت القرطاس

05 September 2025 - 09:50

منير لكماني 05/09/25 ألمانيا

على بياض القرطاس يولد الحرف كجرح مفتوح، يسكب ما ضاق به القلب ولم يجد له موئلًا في الصمت. ليس القلم عصًا سحرية تحلّ الألغاز، بل هو نزيف بطيء يفضح هشاشتنا، ويحوّل الألم إلى أثر مرئي. كل كلمة مكتوبة هي شهادة على عجزنا عن الاكتفاء، وإعلان عن رغبتنا في أن نصنع للحيرة صوتًا وللوجع وجهًا. الكتابة إذن ليست ترفًا ولا تزيينًا للورق، بل معركة خفية بين صمت القرطاس وانفجار الحبر. ومن رحم هذه المعركة تولد النصوص، لا لتقدّم اليقين، بل لتذكّرنا بأننا ما زلنا نبحث، وما زلنا نحيا بالأسئلة أكثر مما نحيا بالأجوبة

معنى البداية

الحرف ليس زينة على الورق ولا زهوًا يتفاخر به صاحبه، بل هو محاولـة جريئة لإضاءة العتمة الكامنة في الداخل. كل كلمة تخرج إنما تعلن عن رحلة قلب يبحث عن معنى مفقود. الكتابة ليست إعلانًا عن يقين مكتمل، بل شهادة على أن الطريق أطول مما نتصور. حين يخط المرء حرفًا، يكشف أنه لا يزال يتعلم رغم كل ما مر به. التعلم هنا ليس جمعًا للمعرفة بل تربية للنفس على الإصغاء للأسئلة العميقة. كل نص يُكتب هو محاولة لمساءلة الذات قبل مساءلة العالم. ومن يكتب يكتشف أن أعظم ما يملكه هو صدق بحثه لا اكتمال جوابه.

سر الحكاية

الحكاية الأولى التي نسمعها ونحن صغار تبقى جرحًا جميلاً في الذاكرة، تفتح لنا نافذة على معنى أبعد من الكلمات. البساطة التي حملتها تلك القصص لم تكن مجرد تسلية لتمضية الوقت، بل كانت دروسًا خفية في الإصغاء والتأمل. خلف كل جملة كان معنى يختبئ، وخلف كل بطل كان رمز يلوّح لنا بأن العالم أوسع مما تراه العين. الإصغاء لحكايات الأم أو الجد لم يكن مجرد عادة يومية، بل كان تدريبًا مبكرًا على فهم أن للكلمة سرًا أكبر من لفظها. منذ ذلك الوقت، صار الخيال جزءًا من تكويننا، يقودنا إلى ما لا تبلغه الخطى. لم تكن تلك الليالي مجرد لعب بالعقول الصغيرة، بل تأسيسًا لعلاقة طويلة مع الكلمة. ومن هنا بدأت القراءة كامتداد طبيعي للحكاية، وكأنها الطريق الذي لا ينقطع.

أفق القراءة

القراءة ليست عدًّا للأوراق ولا مطاردة لأرقام، إنها فعل عيش موازٍ للحياة ذاتها. كل كتاب يُفتح هو باب يطل على عوالم جديدة لم نكن نتصورها. نحن لا نقرأ لنعرف فقط، بل لنشعر أننا لسنا وحدنا في مواجهة الأسئلة. القارئ الحقيقي يكتشف أن كل يقين هشّ، وأن كل فكرة قابلة للمراجعة. بهذا المعنى، تصبح القراءة تدريبًا على الحرية، لأنها تفكك القيود التي ورثناها دون أن نشعر. الكتب لا تزوّدنا بالمعلومات فحسب، بل تزرع فينا قدرة على رؤية ما لا يُرى. وكلما طال الطريق، ازداد القارئ يقينًا أن المعرفة ليست تكديسًا بل عبورًا نحو عمق أكبر.

وحدة المعرفة

المعرفة هدية عظيمة لكنها ليست بلا ثمن، فهي تزرع في القلب مسافة يصعب ردمها. كلما توسّعت المدارك، شعر القارئ بالوحدة تكبر من حوله. الناس يرون في البساطة راحة، بينما القارئ يرى أن الراحة في السؤال المستمر. هذه المسافة تجعل القارئ يتألم بصمت، لأنه يرى ما لا يريد الآخرون أن يُرى. ومع ذلك، فإن هذا الألم نعمة خفية، إذ يجعل الوعي أكثر حدّة والتفكير أكثر صدقًا. الوحدة هنا ليست عزلة مطلقة، بل ثمن طبيعي لمن يفتش عن الحقيقة. فالمعرفة لا تقرّبك من الناس دائمًا، لكنها تقرّبك من ذاتك أضعاف المرات.

ضرورة الكتابة

حين يتراكم الصمت وتتعاظم الأسئلة، تصبح الكتابة ضرورة لا اختيارًا. إنها ليست مشروعًا مخططًا له، بل انفجار داخلي يبحث عن متنفس. ما يُكتب ليس يقينًا يُملى على الناس، بل اعتراف صريح بأن الطريق ما زال ممتدًا. النصوص تولد من حاجة إلى أن نقول ما لم يُقل، وأن نصنع مكانًا آمناً للأفكار التي لم تجد حضنًا في الواقع. في الكتابة، يتكثّف القلق ويتحوّل إلى كلمات، وفي الكلمات يتجسد البحث عن المعنى. ليست الغاية أن نعلّم الآخرين، بل أن نذكّر أنفسنا بأننا لم نتوقف عن السؤال. وهكذا تصبح الكتابة بيتًا صغيرًا نسكنه وسط زحام الحياة.

رهبة الكلمة

الكاتب حين يقترب من الورق، يشعر برهبة كمن يقف على حافة هاوية. الخوف من تزييف الفكرة أو تجميل ما لا يجب تجميله يلاحقه في كل سطر. لكنه خوف جميل، لأنه يذكّره بأن الكلمة ليست لعبة بل مسؤولية. هذا الارتعاش الصامت يجعل النص أكثر صدقًا، ويحوّل الحروف إلى شهادات حيّة. الرهبة لا تُبعد الكاتب عن الكتابة، بل تدفعه إلى احترامها أكثر. كل كلمة تُكتب تُشبه اعترافًا أمام مرآة الذات. ومن هذا الخوف تولد أعذب النصوص وأصدقها.

في نهاية المطاف، الكاتب ليس إلا قارئًا ظلّ يبحث ولم يتوقف. لا يدّعي الحكمة، بل يعترف أن كل نص يولد من جهل نبيل. مع كل كتاب يقترب من ذاته، ومع كل سطر يكتشف أن الطريق أطول مما يظن. الكتابة لا تضع نقطة ختام، بل تفتح أبوابًا لأسئلة جديدة. إنها قارب هشّ في بحر لا يعرف قرارًا، لكنه القارب الوحيد المتاح. قد تمنحنا الكلمات بعض الطمأنينة، لكنها تتركنا عطشى دائمًا. فهل تكفي الكتابة لتسكين هذا العطش، أم أنها مجرد وعدٍ دائم بالرحلة؟

شارك المقال

شارك برأيك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *