بقلم : عبدالحق رازق
خلال السنوات الأخيرة، شهدت منطقة كتالونيا، كغيرها من مناطق الجاليات، بروز فئة جديدة تطلق على نفسها صفات لا تستحقها، مثل “الصحفي” أو “المصور الإعلامي”. غير أن الواقع يكشف لنا شيئًا مختلفًا تمامًا: هؤلاء لا يملكون لا التكوين المهني، ولا الحرفية، ولا حتى الحد الأدنى من الأخلاقيات التي تُبنى عليها المهنة.
إن المهنة الإعلامية، سواء في مجال الصحافة أو التصوير، تتطلب الالتزام بميثاق شرف، ومهارات تقنية، وقدرة على نقل الحقيقة دون تحريف أو تملق. لكننا اليوم أمام ظاهرة خطيرة تتمثل في صعود “أشباه الصحفيين”، وهم أشخاص لا يملكون أي خلفية صحفية، ولا أدوات العمل الإعلامي، بل يعتمدون على شيء واحد فقط: التقرب والتملق لبعض الشخصيات البارزة، سواء في صفوف الجالية أو في محيط مؤسسات الدولة.
التملق، في هذا السياق، أصبح وسيلة للوصول، لا إلى الحقيقة، بل إلى المصلحة الشخصية. هؤلاء يبيعون الكلمة والصورة مقابل وجبة غداء أو دعوة إلى مأدبة أو حتى من أجل “سيلفي” مع شخصية معروفة. لا يسعون إلى نقل معاناة الناس أو إبراز النماذج الناجحة، بل إلى التسلق الاجتماعي على حساب شرف المهنة.
والأخطر من ذلك، أن بعضهم بات يُستدعى لتغطية فعاليات رسمية أو مناسبات ثقافية، فيُمنح صفة “الصحفي”، بينما هو لا يفرق بين الخبر والتعليق، ولا بين الكاميرا والهاتف المحمول. وهكذا تتحول المنابر الإعلامية إلى مساحات للرداءة، ويُهمَّش أصحاب الكفاءة لصالح أصحاب العلاقات.
وفي الوقت الذي أصبح فيه هذا العبث متفشيًا في بعض بلدان المهجر، خصوصًا داخل أوروبا، بحجة “حرية التعبير”، تحولت هذه الحرية إلى “سيبة” إعلامية. الكل يلتقط الصور، والكل يكتب، دون حسيب أو رقيب، ودون حد أدنى من المسؤولية أو الاحتراف.
في المقابل، نجد أن المغرب بدأ يتعامل بصرامة أكبر مع هذه الظاهرة، من خلال تنظيم المجال، ومحاربة منتحلي الصفة، وربط الممارسة الصحفية بشروط واضحة ومعايير مهنية. وهذا ما نفتقده هنا في أوروبا، حيث تغيب الرقابة، ويغيب التنظيم، فيُفتح الباب لكل من هبّ ودبّ ليتحدث باسم الجالية.
ومع كل هذا، من الضروري أن نُقرّ بوجود تجارب مشرفة تستحق التنويه. فهناك من أبناء الجالية من اجتهدوا، وتعلموا، وطوروا أنفسهم، واحترموا أصول المهنة، واشتغلوا بضمير.
خير مثال على ذلك تجربة عبد القادر مغناس الغوماري، صاحب قناة MDM13، الذي لم يظهر من فراغ، بل شق طريقه بتأنٍّ وتعب، من خلال التكوين الذاتي، احترام القوانين، والاشتغال الميداني الجاد. هذه التجربة تمثل نموذجًا لما يجب أن يكون عليه الإعلامي في المهجر: التزام، مهنية، وحرص على تقديم محتوى يحترم المتلقي ويحترم الواقع.
إننا أمام واقع يحتاج إلى وقفة نقدية جادة. فالإعلام مسؤولية، والصورة أمانة، والكلمة موقف. ولا يمكن لأي مجتمع أن ينهض إعلاميًا إذا استمر في دعم التملق بدل الكفاءة، وفي رفع من لا حرفة له بدل من يتعب في تطوير نفسه ويشتغل بضمير.
خلاصة القول:
عندما يُصبح التملق وسيلة للترقي، تسقط قيمة الحرفة، ويفقد الإعلام مصداقيته.