عبدالحق مرصو | 11 يوليوز 2025
في مشهد متوتر ومشحون بالدلالات السياسية والأخلاقية، يتقاطع اليوم مساران مختلفان تماماً نحو جائزة نوبل للسلام:
الأول تمثله فرانشيسكا ألبانيزي، خبيرة القانون الدولي التي تواجه تهديدات وتحظى بدعم عالمي لجهودها في توثيق انتهاكات إسرائيل في غزة، أما الثاني فيجسده الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي لا يخفي شغفه العلني بنيل الجائزة، مدفوعاً بتحالفاته السياسية، ورؤية براجماتيةللسلام.
فهل نحن أمام صراع رمزي على الشرعية الدولية بين شخصيتينمتناقضتين؟
وهل تكون جائزة نوبل ميداناً غير معلن لتصفية الحسابات بين رؤية قانونيةإنسانية للسلام، وأخرى واقعية سياسية؟
ألبانيزي: من خبيرة حقوقية إلى أيقونة المقاومة القانونية
فرانشيسكا ألبانيزي، المقررة الخاصة للأمم المتحدة للأراضي الفلسطينيةالمحتلة، تحوّلت إلى واحدة من أبرز الوجوه الحقوقية في العالم، بعد تقاريرها الجريئة التي اعتبرت أن ما يحدث في غزة “إبادة جماعية” تستوجبالتحقيق والمحاسبة الدولية.
في 10 يوليو 2025، رشّحها عدد من النواب الأوروبيين رسمياً لجائزة نوبل للسلام، في خطوة أثارت اهتماماً عالمياً، لا سيما في ظل العقوبات التي فرضت عليها من طرف الولايات المتحدة بعد أيام قليلة فقط من ذلكالترشيح.
وهو ما أعاد طرح سؤال ملحّ ; هل العقوبات جاءت ردًا قانونياً على تقاريرها، أم تحركاً سياسياً استباقياً لنزع الشرعية عن اسم بات يتردد في قوائم مرشحي نوبل؟
ترامب: الحالم الدائم بنوبل للسلام
لم يكن دونالد ترامب يخفي طموحه لنيل جائزة نوبل للسلام، بل عبّر علنًاعن استيائه مما اعتبره تجاهلاً دولياً غير مبرر لإنجازاته، لا سيما بعد توقيعه على اتفاقيات أبراهام التي مهّدت لتطبيع العلاقات بين إسرائيل وعددمن الدول العربية.
في أحد خطاباته الانتخابية عام 2020، تساءل ترامب بنبرة حادة “:لقد فعلت أكثر من أوباما بكثير… لكنه حصل على نوبل. هل من العدلألا أحصل عليها؟“
ذلك الطموح وجده صدى داخل البيت الأبيض، حيث روّج له مستشارون مقربون، أبرزهم جاريد كوشنر، باعتباره “صانع سلام جديد في الشرق الأوسط“. كما دعمته في ذلك وسائل إعلام يمينية وجماعات إنجيلية محافظة ، اعتبرت أن سياساته تخدم “الحرية الدينية” وتعزز التحالف الأميركي–الإسرائيلي.
ولم يقتصر الأمر على الدعم المحلي؛ ففي عام 2020، بادر عضو البرلمان النرويجي كريستيان تيبرينغ–يدي إلى تقديم ترشيح رسمي لترامب لنيل الجائزة، معتبرًا أن جهوده الدبلوماسية تستحق التقدير الدولي.
نتنياهو يدعم ترامب علنًا قائلا له “جائزة نوبل تستحقك“
في تطور لافت خلال لقائه الأخير مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في واشنطن، يوليو 2025، قدّم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو دعماً مباشرًا وغير مسبوق لترشيح ترامب لنيل جائزة نوبل للسلام، قائلاً أمام الصحفيين:
“الرئيس ترامب أحدث تحولاً تاريخياً في الشرق الأوسط. اتفاقيات السلام التي رعاها غيرت قواعد اللعبة… وإذا كان هناك من يستحق نوبل للسلام، فهو أنت.”
تصريح نتنياهو جاء ليضع حدًا لسنوات من الدعم الضمني، ويحوّله إلى موقف علني صريح، يعكس عمق التحالف السياسي والشخصي بين الرجلين، كما يعزز سردية ترامب بأنه “صانع السلام الحقيقي” في المنطقة.
كما فسّر مراقبون هذا التصريح بأنه محاولة لتقويض أي ترشيحات مضادة، خصوصاً تلك التي تمنح لشخصيات تنتقد إسرائيل أو تدعو إلى محاسبتها، في إشارة واضحة إلى تصاعد الحملة المؤيدة لـفرانشيسكاألبانيزي، المقرّرة الأممية التي تزداد فرصها ضمن قائمة المرشحينالمحتملين.
من الصراع الدبلوماسي إلى المنافسة الرمزية
يأتي ترشيح ألبانيزي في وقت بالغ الحساسية:
فرض العقوبات الأميركية على ألبانيزي، رغم كونها موظفة أممية محميةدوليًا، فُسّر من قبل العديد من المحللين كـمحاولة نزع شرعية أخلاقيةوسياسية عنها قبل أن تتحوّل إلى منافس فعلي على نوبل، وخصوصاً أمام شخصية مثل ترامب.
وفي هذا السياق، قالت الباحثة البريطانية هيلين ويلسون:
“قد لا يقول ترامب إنه يخشى ألبانيزي، لكنه بالتأكيد لا يرغب فيرؤيتها تتوّج بجائزة كان يعتبرها تتويجًا شخصيًا له.”
رؤيتان متضادتان للسلام: العدالة مقابل الصفقات
يتجسد التباين الجوهري بين فرانشيسكا ألبانيزي ودونالد ترامب في تصوركل منهما لمعنى “السلام” ومقوماته الأساسية.
فألبانيزي تنطلق من منظور حقوقي–أخلاقي، تعتبر فيه السلام ثمرة للعدالةوالمساءلة الدولية، وترى أن أي تسوية لا تنصف الضحايا أو تحاسبالمعتدين ليست إلا هدنة مؤقتة على حساب القانون الدولي.
أما ترامب، فيتبنّى مقاربة سياسية واقعية ترى في السلام نتيجة للتفاهماتوالصفقات، حتى لو تجاوزت القواعد القانونية والأعراف الأممية، طالما أنهاتضمن المصالح الأميركية والإسرائيلية في المقام الأول.
وهكذا، لا يختلف الاثنان فقط في أدواتهما ومواقعهما، بل في المنظورالجوهري لمعنى السلام نفسه:
بين ألبانيزي وترامب، تدور مواجهة غير مباشرة على رمزية جائزة نوبلللسلام، هي تسعى من موقعها القانوني لتكريس العدالة كمبدأ عالمي، وهويسعى من موقعه السياسي لإعادة تأهيل إرثه أمام التاريخ. فإن حصلتألبانيزي على الجائزة، فستكون تلك صفعة ناعمة لإدارة ترامب ولكل منسعى لتكميم صوتها. وإن حصل عليها ترامب، فستُقرأ كتكريس لسلامالصفقات على حساب المبادئ الدولية.
لكن في الحالتين، تبقى نوبل أكثر من جائزة… إنها ساحة رمزية لصراععالمي بين القانون والسياسة، الضحايا والقوة، والضمير والدبلوماسية.