بين الرقابة والإنفتاح: منطق التأشيرات الأوروبي الجديد

28 February 2026 - 22:21

منير لكماني

في مطلع عام 2026، أعلنت المفوضية الأوروبية عن أول إستراتيجية موحدة للتأشيرات في تاريخ الإتحاد الأوروبي، في خطوة أعتبرت بمثابة تحول إستراتيجي في سياسات التنقل والهجرة إلى القارة الأوروبية. لم يعد مفهوم “التأشيرة” مقتصرا على كونها وثيقة دخول، بل تحول الى أداة سياسية متعددة الأبعاد تخدم أغراض الأمن، والإقتصاد، والعلاقات الخارجية على حد سواء.

من نظام مجزأ الى إستراتيجية موحدة

كان نظام التأشيرات الأوروبي قبل عام 2026 يعاني من تجزئة في التطبيق وعدم إنسجام في الإجراءات بين الدول الأعضاء. وجاءت الإستراتيجية الجديدة لتوحيد هذه المقاربات وجعلها أكثر مرونة واتساقا، مع الحفاظ على صرامة الرقابة على حدود منطقة شنغن.

الهدف المركزي هو تحقيق توازن بين الإنفتاح الموجه والسيطرة المنظمة، أي فتح الأبواب أمام الفئات النشطة إقتصاديا وعلميا، وفي الوقت نفسه الحد من الهجرة غير النظامية والتهديدات الأمنية.

المكونات الأساسية للإستراتيجية الجديدة

تركز السياسة الجديدة على ثلاثة محاور رئيسية:
• التحول الرقمي الكامل: إدخال نظام تأشيرات رقمي شامل، يسمح بتقديم الطلبات الإلكترونية ومتابعتها عبر منصة موحدة داخل الإتحاد الأوروبي.

• التأشيرات المتعددة والدخول الطويل: تمكين المسافرين الموثوقين من الحصول على تأشيرات لمدد أطول وبإمكانية دخول متعددة، تخفيفا للعبء الإداري وتعزيزا للثقة بين المسافر والدول الأعضاء.

• المسارات السريعة للمهنيين والباحثين: تخصيص منظومة Fast-Track لتسريع دراسة الملفات الخاصة بـ رجال الأعمال، والطلاب، والباحثين، والكفاءات المهنية المعترف بها، بناء على لوائح مؤسسات وشركات معتمدة رسميا.

التأثير على المتقدمين المغاربة

تحمل هذه الإستراتيجية أبعادا ملموسة بالنسبة للمغرب، الذي يعد من أكثر الدول شراكة في مجال التنقل مع الإتحاد الأوروبي.
فمن المنتظر أن يستفيد المواطنون المغاربة من:
• إجراءات رقمية مبسطة لتقديم طلبات التأشيرة.
• تأشيرات أطول وميسرة للأشخاص الذين لديهم سجل سفر منتظم إلى أوروبا.
• آفاق مهنية وأكاديمية جديدة عبر برامج التعاون بين الجامعات والمراكز البحثية.

غير أن هذه التسهيلات تبقى إنتقائية، إذ تمنح الأولوية للفئات التي تساهم في النمو الإقتصادي، والبحث العلمي، والإبتكار.

الجدول الزمني للتنفيذ

بحسب المفوضية الأوروبية، تمثل الإستراتيجية إطارا سياسيا عاما سيتم تطبيقه على مراحل متتالية.
وتحدد الخطة عام 2028 كموعد مستهدف لإتمام جميع الإصلاحات الهيكلية، وفي هذه الفترة تستمر الأنظمة الحالية سارية المفعول إلى حين الإنتقال الكامل للنظام الرقمي الموحد.

الأساس القانوني الأوروبي

تعتمد هذه التوجهات الجديدة على عدد من النصوص القانونية الاوروبية، أبرزها:

1. اللائحة (EC) رقم 810/2009 المعروفة بـ”قانون التأشيرات الأوروبي (Visa Code)”، وهي الإطار القانوني المنظم لإجراءات منح التأشيرات القصيرة الأمد داخل منطقة شنغن.
2. اللائحة (EU) رقم 2019/1155 التي أدخلت تعديلات جوهرية في مجالات الرسوم، والمعايير، ومردودية الخدمات القنصلية.
3. وثائق المفوضية الأوروبية لعام 2026 بشأن “الإستراتيجية الموحدة للتأشيرات”، التي تحدد الإطار السياسي والإجرائي لمستقبل نظام التأشيرات.

هذه اللائحة تنص صراحة على أن الإتحاد الأوروبي يحتفظ بحق الدول الأعضاء في ضمان أمن الحدود، مع الإلتزام بمبادئ حرية التنقل المنظمة والتوازن بين الإنفتاح والحماية.

قراءة تحليلية

إن جوهر الإستراتيجية الجديدة يقوم على فكرة أن حرية التنقل لم تعد حقا مطلقا، بل أداة سياسية خاضعة للحسابات الإقتصادية والأمنية.
يهدف الإتحاد الاوروبي بذلك الى إستقطاب الطاقات المنتجة والمجتمعات الأكاديمية، مع إبقاء بوابات الدخول خاضعة للتحكم الذكي.

في المقابل، تمثل هذه المقاربة تحديا للدول الشريكة، مثل المغرب، التي تسعى إلى توسيع فرص الهجرة القانونية وفي الوقت ذاته ضبط تدفقات المهاجرين غير النظاميين.

تشكل الإستراتيجية الاوروبية للتأشيرات لعام 2026 منعطفا تاريخيا في سياسة الإتحاد تجاه التنقل الدولي. فهي تجمع بين الإنفتاح الإنتقائي، والرقمنة المتقدمة، والرقابة المحكمة. أما بالنسبة للمغرب، فتمثل هذه الإستراتيجية فرصة لتعزيز التبادل الأكاديمي والتجاري، شرط أن تترجم الوعود الأوروبية إلى إصلاحات عادلة وشفافة تحقق التوازن بين المصلحة المشتركة وإحترام كرامة الإنسان.

شارك المقال

شارك برأيك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *