تدريس التربية الدينية الإسلامية في كتالونيا: من الخطة التجريبية إلى ضرورة التطبيع

21 August 2025 - 17:21

محمد الغيدوني

في عام 2020، أطلق قسم التعليم في حكومة كتالونيا برنامجًا تجريبيًا لتدريس الدين الإسلامي في بعض المؤسسات التعليمية. وقد قُبل هذا الاتفاق، الذي تم التفاوض بشأنه مع اللجنة الإسلامية في إسبانيا (CIE)، من طرف الجالية المسلمة الكتالونية كحل انتقالي، نظرًا للواقع السياسي والاجتماعي المعقد الذي كان يعيشه البلد آنذاك. بعد أربع سنوات، تغيّرت الأوضاع جذريًا، غير أن الخطة التجريبية ما زالت قائمة، وقد قدمها القسم كصيغة دائمة.

حاليًا، يوجد في كتالونيا 104,279 تلميذًا مسلمًا وفقًا لمرصد الأندلس التابع لاتحاد الجماعات الإسلامية في إسبانيا. وللاهتمام بهذه الفئة الطلابية، لم يوظّف القسم سوى 5 أساتذة في مادة الدين الإسلامي. أي أن كل أستاذ يجب أن يتكفل نظريًا بأكثر من 20,256 تلميذًا.
إن هذا التفاوت صارخ لدرجة يصعب تبريره. ليس فقط لأن الدستور الإسباني واتفاقيات التعاون لسنة 1992 مع اللجنة الإسلامية في إسبانيا يعترفان صراحة بحق التلاميذ المسلمين في تلقي تعليم ديني على قدم المساواة، بل أيضًا لأن حكومة كتالونيا نفسها تضمن هذا الحق لغيرها من الطوائف الدينية الموجودة في الإقليم.

الإطار القانوني: حق وليس منّة
تنص المادة 16 من الدستور الإسباني على أن “حرية الفكر والمعتقد الديني والعبادة للأفراد والجماعات مضمونة”، وأنه “لا دين للدولة”. كما تنص المادة 27 على الحق الأساسي في التعليم وعلى احترام المعتقدات الدينية والأخلاقية للأسر.
وبناءً على ذلك، تعترف القانون 26/1992 بالموافقة على اتفاق التعاون بين الدولة واللجنة الإسلامية في إسبانيا صراحةً بحق التلاميذ المسلمين في تلقي التعليم الديني الإسلامي في المدارس العمومية والمدارس المدعومة، “بنفس الشروط التي يتم بها تدريس الدين الكاثوليكي”. وبالتالي، فالأمر لا يتعلق بامتياز أو منحة سياسية، بل هو حق قانوني مُلزم.

كتالونيا مقارنةً مع باقي الجهات
الوضع في كتالونيا يتناقض مع أقاليم أخرى في الدولة. ففي الأندلس، مع وجود 59,627 تلميذًا مسلمًا، هناك 112 أستاذًا لمادة الدين الإسلامي. أما في مدريد، فمع 49,203 تلميذًا، يعمل 57 أستاذًا.
المقارنة واضحة: كتالونيا، التي تضم أكثر من ضعف عدد التلاميذ المسلمين الموجودين في الأندلس أو مدريد، لا تتوفر سوى على 5 أساتذة فقط. وهذا فرق لا يمكن تفسيره إلا بغياب الإرادة السياسية لدى حكومة كتالونيا لتقديم استجابة طبيعية وعادلة لمطلب الأسر المسلمة.

الخطة التجريبية: ذريعة أم مرحلة انتقالية؟
قبلت الجالية المسلمة بالخطة التجريبية لسنة 2020 على أساس أنها مرحلة انتقالية، في ظرف كانت فيه الاضطرابات السياسية في كتالونيا تعيق المضي قُدمًا في خطوط تعاون مؤسساتي جديدة. غير أن ما كان يُعتبر حينها حلًا مؤقتًا لم يعد له أي مبرر اليوم.
الإبقاء على الخطة التجريبية بعد مرور أربع سنوات، مع توسع طفيف (من 3 إلى 5 أساتذة)، يعني عمليًا تكريس التمييز. فقد قدّمتها حكومة كتالونيا كصيغة نهائية، بينما تشكل في الواقع خرقًا واضحًا لمبدأ المساواة في المعاملة.

النتائج الاجتماعية والتربوية
إن غياب الإرادة السياسية لا يولد فقط شعورًا بالغبن مقارنةً بباقي الأقاليم، بل يغذي أيضًا إحساسًا بالإقصاء واللامرئية لدى الأسر المسلمة في كتالونيا.
فغياب عدد كافٍ من الأساتذة يجعل الغالبية العظمى من أكثر من 100,000 تلميذ مسلم غير قادرين على ممارسة حقهم في التعليم الديني. وهذا يخلق فراغًا تربويًا له انعكاسات مباشرة على التماسك الاجتماعي، وتكافؤ الفرص، والاعتراف الفعلي بالتعددية الدينية في كتالونيا.

دعوة إلى التطبيع
الوضع السياسي والاجتماعي الحالي يختلف عن سنة 2020. بات لزامًا على كتالونيا أن تُطبّع تدريس الدين الإسلامي كما فعلت مع الدين الكاثوليكي وطوائف أخرى بالتوافق مع الدولة.
الاستمرار في الاحتماء وراء خطة تجريبية ليس سوى إنكارٍ لحقوق مضمونة في الدستور وفي اتفاقيات التعاون. فقسم التعليم ملزم قانونيًا وأخلاقيًا بإنهاء هذا التمييز وتقديم نفس الاستجابة للأسر المسلمة كما هو الحال مع غيرها.

في النهاية، القضية ليست مسألة امتيازات، بل مسألة مساواة وكرامة. وهذه لا يمكن ضمانها إلا من خلال رهان واضح وحاسم على التطبيع الكامل لتدريس الدين الإسلامي في كتالونيا.

شارك المقال

شارك برأيك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *