منير لكماني 31/08/25 ألمانيا
قد تمر لحظة الانتصار على عجل، وسط ضجيج الجماهير، وعدسات الكاميرات، ووهج الأضواء، لكن بين كل هذا الصخب، يبرز ما هو أعمق من الأهداف والخطط. هناك، في لحظة خافتة ولكن شاهقة بالمعنى، تتسلل إيماءة صغيرة، لتركب صهوة الذاكرة وتخترق القلوب.
حين أخرج المدرب سكيتيوي من جيبه طاقية قديمة ووضعها فوق رأسه بعد الفوز، لم يكن يستعرض عادة، ولا يتباهى بموضة. كانت تلك القطعة، بلونها الباهت، أثمن من أي ميدالية. كانت للوالد. وكانت اللحظة له. للغائب الحاضر. للفرد الذي لا يغيب عن القلب حتى حين يغيب عن العيون.
الجذر لا يموت
في ثقافة ما تزال تستمد معناها من البيت، وتُصاغ من دقّات النعال في الزقاق، ومن الدعوات whispered وسط بخور الصباح، لا تكون علاقة الأب بابنه مجرّد رابطة نسب. إنها أصل، وجذر، وسند. حين يستحضر الفرد والده، لا يلتفت إلى الخلف، بل يتشبث بما يجعله واقفًا أمام العالم.
الآباء لا يُختزلون في صورٍ مؤطرة على الجدران، بل يُحملون معنا: في طقوسنا، في قراراتنا، في نظراتنا حين ننجح، وفي حاجتنا إلى أن نُريهم حتى من وراء الغياب أننا كنا على الموعد، وأن تربيتهم لم تذهب سُدى.
البركة لا تصدأ
لسنا شعبًا يقيس النجاح بالأرقام وحدها. نمنح للأشياء روحًا، وننسج حولها معنى. البركة، في المخيال الجمعي، ليست رفاهًا عاطفيًا ولا خرافة شعبية، بل حضورا حقيقيا، يُستدعى حين تضيق الأرض، أو حين يتسع الفرح.
حين توضع طاقية الأب على الرأس، لا يُقصد الزينة، بل يُقصد المعنى: دعاء خافت، وامتنان طويل، وطلب للسكينة في لحظة ضوء. إنها طريقتنا في القول: “لست وحدي، هذا انتصاري، لكنك حاضر فيه”.
لا ننجح وحدنا
النجاح لا يكون مكتملًا إن لم يُشارك من كانوا سببًا في أول خطوة. في زمن تغيّرت فيه الصور، وصار فيه اللاعب يركض نحو الكاميرا لا نحو من ربّاه، تصبح قبلة على رأس أم، أو لمسة لرمز أبوي، فعلًا نادرًا لكنه صادق، وبوصلة تُعيد الإنسان إلى نفسه.
النجاح، حين لا يُقاس بالتصفيق وحده، يصبح أكثر إنسانية. يصبح مساحة لاسترجاع من نحب، واستحضار من علّمونا أن النصر الحقيقي ليس في الوصول فقط، بل في معرفة الطريق، ومن كان ينتظر عند عتبته.
من نكون حين ننسى؟
في مشهد بسيط، وضع مدرب طاقية فوق رأسه، فحرّك داخلنا شيئًا أكبر من الفوز. فتح بابًا من الأسئلة عن علاقتنا بالآباء، بالذكريات، بالرموز التي نتظاهر أحيانًا أنها لم تعد تعنينا.
فمن نكون إن نحن نسينا من سبقونا؟
وهل يمكن لنجاح بلا جذور أن يُثمر؟
وهل نُفلح في رسم المستقبل إن لم نُحسن حمل ماضينا؟
هي لحظة تساؤل لا تنتهي عند الملعب، بل تبدأ منه، لتعود بنا إلى حيث المعنى يسكن… في البيوت، في البرّ، وفي تلك الطاقية التي اختزلت حكاية وطن صغير في قلب كلٍّ منا.