بين الاعتراف المنقوص ومعاناة الجالية: أزمة رخصة السياقة المغربية في إسبانيا

06 November 2025 - 20:22

 

ما إن تطأ قدم المواطن المغربي أرض إسبانيا بغية الاستقرار والعمل حتى يكتشف أن رخصة السياقة التي ظلت لسنوات طويلة مفتاح حريته في التنقل عبر طرقات المغرب قد تتحول بين عشية وضحاها إلى عبء ثقيل ومصدر قلق دائم ، هذه الوثيقة البسيطة، التي تبدو لأول وهلة مجرد مستند إداري عادي، تتحول في السياق الإسباني إلى قضية وجودية تمس جوهر الحياة اليومية للجالية المغربية وتكشف عن فجوة بين الأنظمة القانونية وتعقيدات الحياة اليومية للمهاجرين.

لطالما شكلت الاتفاقية الثنائية بين المغرب وإسبانيا سداً منيعاً يحمي الاعتراف المتبادل برخص السياقة لكن بعد انتهاء العمل بهذه الاتفاقية وجد آلاف المقيمين المغاربة أنفسهم في مواجهة واقع مرير فجأة أصبحت رخصهم مهددة بعدم الاعتراف، ومستقبلهم في التنقل معلق بين مطرقة الإجراءات البيروقراطية المعقدة وسندان الامتحانات الصعبة التي تواجههم بلغة ليست لغتهم الأم لقد تحولت رخصة السياقة من وسيلة للاندماج إلى عائق يحول دون تحقيق هذا الاندماج.

تتجلى مظاهر هذه الأزمة الإنسانية في مشاهد يومية متكررة هناك أولئك الذين فاتتهم مهلة الاستبدال المحدودة  فباتوا يعيشون في حالة من القلق الدائم، كل مرة يمسكون فيها بمقود السيارة وهم يعلمون أنهم قد يواجهون غرامة مالية باهظة أو مصادرة مركبتهم وهناك الفئة الأكثر تضرراً، وهم الذين حصلوا على الإقامة بعد انتهاء سريان الاتفاقية، والذين وجدوا أنفسهم أمام خيارين مريرين: إما التوقف عن القيادة وفقدان وسيلة تنقلهم، أو خوض غمار اختبارات شاقة باللغة الإسبانية، مع ما يرافق ذلك من تكاليف باهظة تثقل كاهل العاملين البسطاء الذين بالكاد يستطيعون توفير قوت يومهم.

ليست هذه مجرد مشكلة وثيقة إدارية، بل هي أزمة إنسانية بعمقها وتأثيرها فسائقو توصيل الطلبات والسلع، وهم من أبرز الفئات المتضررة، يفقدون مصدر رزقهم الوحيد بين ليلة وضحاها والعائلات المغربية تفقد وسيلة تنقلها التي تعتمد عليها في الذهاب إلى العمل أو المستشفى أو زيارة الأقارب والطلبة المغاربة يجدون صعوبة بالغة في التنقل بين المدن للإلتحاق بمؤسساتهم التعليمية. هذا الوضع المأساوي يدفع بالبعض مضطرين إلى القيادة بدون ترخيص، مما يعرضهم لمخاطر قانونية ومادية جسيمة تصل أحياناً إلى الترحيل أو السجن.

في مواجهة هذه الأزمة، تظهر الحلول المتاحة غير كافية بل ومحدودة الأثر مهلات الاستثناء الممنوحة تبقى حبراً على ورق أمام تعقيد الإجراءات ودورات اللغة الإسبانية المكثفة غير متاحة للجميع، خاصة للعاملين في وظائف تتطلب جهداً بدنياً ووقتاً طويلاً وتكاليف الامتحان والتدريب في مدارس تعليم القيادة تشكل حاجزاً مالياً لا يمكن تجاوزه أمام ذوي الدخل المحدود وما يزيد الطين بلة، أن بعض مدارس تعليم القيادة تستغل حاجة المغاربة الملحة فترفع أسعارها بشكل غير مبرر مضيفة عبئاً مالياً إلى عبء نفسي وقانوني ثقيل.

إن هذه المعضلة تحتاج إلى حلول عاجلة وشاملة، تبدأ بإعادة النظر في الآليات القانونية والقنصلية بين البلدين فلا بد من تسهيل إجراءات الاستبدال وتوفير امتحانات بلغات متعددة، أو على الأقل بلغة يسهل على الجالية المغربية فهمها كما أن الأمر يحتاج إلى مزيد من التوعية القانونية وتبسيط مساطر التسجيل في مدارس تعليم القيادة، و إنشاء صندوق دعم مالي للمقيمين المغاربة غير القادرين على تحمل تكاليف الاستبدال.

في العمق، لا يتعلق الأمر بمجرد وثيقة إدارية، بل بحق أساسي من حقوق الإنسان في التنقل والعمل والعيش الكريم إن تجاهل معاناة آلاف المغاربة في إسبانيا يعني تجاهل إنسانية أشخاص يساهمون بشكل فعّال في الاقتصاد والمجتمع الإسباني، ويساهمون في بناء جسور بين الضفتين فهم ليسوا مجرد أرقام إحصائية  بل بشر لهم أحلام وطموحات وحقوق.

حان الوقت لمعالجة هذه القضية ليس كملف إداري بحت بل كقضية إنسانية تستحق الاهتمام العاجل إنها اختبار حقيقي لقدرة الأنظمة على استيعاب احتياجات البشر وفرصة لإثبات أن القوانين يجب أن تخدم الإنسان لا أن تعيقه ففي النهاية، تبقى حقوق الإنسان فوق أي اعتبار بيروقراطي، والاعتراف الكامل بهذه الحقوق هو ما يميز المجتمعات المتحضرة حقاً.

شارك المقال

شارك برأيك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *