بقلم : منير لكماني
ثمة قيود لا تُرى، لكنها أثقل من كل الحديد، قيود تسكن في أعماق الروح قبل أن تحاصر الجسد. نمشي كأننا أحرار، غير أن خطواتنا تتهدج تحت وطأة جدران صامتة نجهل مصدرها. هي المخاوف التي لم نعترف بها، والظلال التي ورثناها دون أن نختارها، والأصوات التي تهمس فينا: “ابقَ حيث أنت”. ومع كل فجر جديد، يتأجل الحلم، ويظل طيف الحرية معلقا في الأفق، يلوّح لنا ثم يختفي. وما بين الحلم المؤجل والقيد الخفي، يولد ذلك الصراع الذي يجعلنا غرباء عن أنفسنا. فهل نملك الشجاعة لنكسر ما لا يُرى؟ أم سنظل نرتحل داخل أسوار بلا أبواب، نؤجل حريتنا إلى أجل غير مسمى؟
ضرورة الأنسنة… بداية الطريق
لا ينهض مجتمع وهو غارق في إنكار ذاته، متصالح مع ترديه، محاصر في دائرة من اجترار الماضي والخوف من الغد. الأمم لا تُبنى على شعارات جامدة ولا على تقديس أعمى، بل على شجاعة النقد وجرأة التفكير. وحين نتهيب من مواجهة واقعنا، نمنح الجمود شرعية ونلبسه ثوب الأصالة. الأزمات التي نحياها ليست وليدة اللحظة، بل تراكمات عقل متردد ونخب عاجزة عن تجاوز المألوف. غياب الأنسنة يجعل الإنسان مجرد رقم أو تابع أو حامل لهوية مغلقة. وعندما يغيب البعد الإنساني، تغيب الحرية بوصفها فعلا وجوديا. لا خلاص من هذا التيه إلا بإعادة الإنسان إلى مركز المعادلة.
أسر الماضي وثقل الحاضر
حين تتحول الذاكرة إلى سجن، يفقد التاريخ دوره كمدرسة للتعلم. يصبح الماضي عبئا ثقيلا بدل أن يكون ميراثا ملهمًا. ومع غياب الخيال الخلاق، يغدو المستقبل نسخة باهتة من الأمس. هكذا يبقى المجتمع أسير التردد، يخشى التحرر من نصوص قديمة وقراءات مغلقة. ومع كل محاولة للانعتاق، تنهض المخاوف من الخصوصية أو الهوية لتجهض الولادة الجديدة. لكن لا نهضة ممكنة دون وعي تاريخي نقدي يتجاوز التكرار، ودون شجاعة لمساءلة ما اعتدنا على تقديسه.
الإنسان في قلب المعادلة
الأنسنة ليست ترفا فكريا يُؤجل إلى حين، بل هي الشرط الأول لكل تحول حقيقي. أن يعود الإنسان إلى مركز الوجود، لا كظل لقوة غامضة، ولا كترس في آلة السلطة، بل ككائن حر يحيا ليبدع لا ليطيع. الإنسان المؤنسن يقرأ ليرتقي، لا ليتحجر، ويفكر ليفهم، لا ليقمع. وما لم نجعل من الكرامة والحرية مبدأين مؤسسين، سنظل نعيد إنتاج الأزمات نفسها. النهضة ليست مجرد عمران ظاهر، بل بناء داخلي للذات الإنسانية.
وهم الحداثة والخصوصية
كثيرا ما يُقصى صوت العقل بدعوى الأصالة، وتُجهض قيم الأنسنة تحت شعارات الهوية والخصوصية. في تلك اللحظة يصبح التفكير جريمة، ويصبح المختلف موضع ريبة. تتحول الحداثة إلى غريب منبوذ، ويُترك المجتمع أسير خطاب يبرر الجمود. هذا الوهم لا يصون الهوية بل يفرغها من معناها. الهوية الحقيقية تتجدد بالحوار والانفتاح، لا بالانغلاق والتوجس. وكل حداثة بلا جذور تتحول إلى تقليد أجوف، وكل أصالة بلا نقد تتحول إلى حجر يثقل الخطى.
معركة الداخل
المجتمعات لا تنهض بالبنى التحتية وحدها، بل بالبنى الإنسانية التي تشكل وجدانها. كيف نرى أنفسنا؟ كيف ننظر إلى الآخر المختلف؟ كيف نربي أبناءنا على الحرية والكرامة؟ تلك الأسئلة هي جوهر أي مشروع حضاري. معركة الأنسنة تبدأ من الداخل: من إعادة الاعتبار للإنسان، ومن مصالحة الذات مع قيمها الإنسانية العميقة. حينها فقط تتحول القيم إلى ممارسة، وتتحول الحرية إلى مسؤولية، وتتحول الكرامة إلى واقع ملموس.
مشروع إنساني جامع
لا خلاص من التردي إلا حين نصوغ مشروعا إنسانيا يحرر الإنسان من أثقال الماضي ومن القراءة الضيقة لتاريخه. مشروع يربط الحداثة بالعدالة، والعقل بالمعنى، والحرية بالمسؤولية. مشروع ينهض بالإنسان فكرا ووجدانًا وكرامة، ويمنحه القدرة على أن يكون فاعلا في زمنه لا متفرجا عليه. حينها فقط يمكن أن نخرج من كهف الظلال إلى فضاء الضوء، ومن الخوف إلى الأمل، ومن الجمود إلى الإبداع.
يبقى الرهان الأكبر اليوم هو إعادة الإنسان إلى مركز مشروعنا الحضاري. فهل نستطيع أن نتحرر من أثقال الماضي دون أن نقطع جذوره؟ وهل نجرؤ على جعل العقل والحرية والكرامة أسس نهضتنا لا شعارات معلقة في الهواء؟ أم أننا سنظل ندور في حلقة مفرغة بين الأصالة الميتة والحداثة المشوهة؟ أسئلة مفتوحة لا تنتهي، لكنها بداية كل وعي جديد، وبذرة كل أفق يلوح في الأفق.