نَعش على المقاس: ارتقاء بالمعنى

04 September 2025 - 09:58

منير لكماني 04/09/25 ألمانيا

الحياة ليست مجرد دوران للأيام، بل هي امتلاء بالمعنى. من يعيش بلا شغف إنما يجر جسده كظل باهت. القبور لا تبدأ مع حفرة في الأرض، بل مع انطفاء الداخل. حين نترك الحلم يتساقط واحدًا تلو الآخر، نكون قد خسرنا أنفسنا قبل أن نخسر أعمارنا. أعمار الناس ليست في السنين، بل في ما يتركون من أثر. ومن يترك نفسه رهينة الملل، يذبل وهو يمشي بين الناس. فالموت الحقيقي يبدأ مع خيانة الشغف.

مقابر الأحياء

أخطر المقابر ليست تلك التي تُزار في الأعياد، بل تلك التي نحملها في صدورنا. إنها قلوب فقدت الأمل، فأغلقت أبوابها أمام الحياة. عقول انكسرت أمام العدم، فاستسلمت للصمت الموحش. لا يحتاج المرء إلى تراب ليُدفن، بل يكفي أن يترك الفراغ ينمو في داخله. من يستسلم للفراغ يصبح غريبًا عن نفسه. ومن يتخلى عن الحلم يصبح شاهدًا على جنازته. وهذا هو الفقد الذي لا يعوَّض.

قبس الأمل

الأمل ليس رفاهية، بل هو خبز الروح. حين يتشبث الإنسان بخيط صغير من ضوء، تنقلب حياته إلى معنى جديد. لا شيء يهزم العزيمة أكثر من اليأس، ولا شيء ينهض بها أكثر من الرجاء. الأمل قوة تخرج من رحم الألم. من يملكه ينجو من قسوة الأيام. ومن يفقده يتيه في فراغ لا نهاية له. لذلك، تمسكوا به كما يتمسك الغريق بخشبة الخلاص.

إشعال الشغف

الشغف نار إذا انطفأت صار الإنسان رمادًا بلا حياة. هو الذي يجعل للصباح طعمه، وللمساء سكينته. من يعيش بالشغف لا يعرف الملل طريقًا إليه. يبتكر لحياته معنى في العمل، في الفن، في الحرفة، في كل تفصيل صغير. كل خطوة يملؤها شغف تُصبح طقسًا من طقوس البقاء. فالشغف يطرد الملل كما يطرد النور الظلام. ومن يحافظ عليه يحافظ على إنسانيته.

صناعة الحياة

الحياة لا تُمنح كاملة، بل تُصنع يومًا بيوم. من يزرع المعنى في خطواته، يحصد طمأنينة في قلبه. الأحياء حقًا هم الذين يصنعون أثرًا يتجاوز ذواتهم. حين نملأ يومنا بالعمل والنية الصادقة، نكون قد صنعنا حياة لا تُسلب. ومن يكتفي بالانتظار، كمن يكتب نهايته بيده. فلا تترك نفسك ضحية فراغك. ولا تجعل عمرك ينفلت من بين يديك كالماء.

يقظة الداخل

كل واحد منا يحمل في داخله بذرة حياة تنتظر أن تُسقى. إذا أهملها مات قبل أن يموت. وإذا اعتنى بها أزهرت حتى آخر لحظة. لا تسمح لليأس أن يسرقك من نفسك. لا تجعل روحك ظلاً في جسد ثقيل. من ينهض بمعناه ينهض بعالمه كله. ومن يستيقظ على شغفه يمنح لنهاره غاية. ومن يتشبث ببذرة الأمل يحيا حياة مضاعفة.

الحياة تُقاس بعمقها لا بطولها. نحن من نختار أن نكون أحياء أو أن نحيا كالأموات. فما الذي يمنعنا من إشعال قناديل الأمل في دروبنا؟ ما الذي يجعلنا نؤجل الفرح حتى يفوت العمر؟ وهل نملك أن ندفن أحلامنا بأيدينا ثم نطالب بالخلود؟ ألا يجدر بنا أن نصنع حياتنا قبل أن تُسلب منا؟ أم سنظل نكتفي بالمشاهدة حتى نصبح غرباء في جنازاتنا ونحن نمشي بين الناس؟

شارك المقال

شارك برأيك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *