فيخّو، بين الاعتدال الظاهر وظلّ الشعبوية الدينية خطاب يسعى للابتعاد عن فوكس، لكنه يعيد إنتاج أطره

18 August 2025 - 20:26

محمد الغيدوني، 18/08/2025

تعكس التصريحات الأخيرة لألبرتو نونييث فيخّو، التي نشرتها Religión Digital، لعبة سياسية معقدة: فمن جهة، يحاول أن يميز نفسه عن تطرف حزب فوكس بانتقاد “عدوانيته” تجاه الأساقفة؛ ومن جهة أخرى، يعيد إنتاج سرديات تغذي فكرة المواجهة بين الديانات في إسبانيا. هذه الازدواجية تبرز صورة زعيم معتدل، لكنها في الممارسة تساهم في ترسيخ أطر شعبوية قائمة على الشك والانقسام.

الثنائية الزائفة بين الكاثوليك والمسلمين

يتهم فيخّو الحكومة بأنها “تحمي المسلمين أكثر من الكاثوليك”، وهو طرح يزرع ثنائية غير موجودة أصلاً. فالدستور الإسباني لسنة 1978 واضح: الدولة لا دينية وتكفل الحرية الدينية لجميع الأديان (المادتان 14 و16). الإيحاء بأن ممارسة حقوق فئة ما تأتي على حساب فئة أخرى هو استراتيجية سياسية ذات مردود انتخابي، لا تشخيص حقيقي.

وفوق ذلك، فإن الحديث عن معاملة غير متكافئة يبدو متناقضًا حينما تظل الكنيسة الكاثوليكية تتمتع بامتيازات لا تملكها أي ديانة أخرى: تمويل حكومي، حضور في المناهج التعليمية، اتفاقيات ثنائية مع الفاتيكان، ووضع قانوني مميز. وبالتالي، فإن الادعاء بوجود “محاباة للمسلمين” هو، في أحسن الأحوال، مبالغة خطابية، وفي أسوئها وسيلة لإذكاء الأحكام المسبقة داخل المجتمع.

النقاش حول الحجاب: كرامة أم وصم؟

دافع زعيم الحزب الشعبي عن حظر البرقع والنقاب في الأماكن العامة باسم “كرامة المرأة” و“الأمن”. هذا الطرح، الذي اعتمدته بالفعل بعض الدول الأوروبية، يستحق قراءة متأنية. إذ يُقدَّم كإجراء لحماية الحقوق، لكنه في الواقع يبسط التعقيد الذي يطبع تجارب النساء المسلمات، كثيرات منهن يخترن لباسهن بحرية.

كما أن استدعاء مفهوم “الكرامة” حصريًا في هذا السياق يكشف تناقضًا، خصوصًا وأن هناك ممارسات اجتماعية وثقافية أخرى تحدّ بدورها من حرية النساء دون أن تكون موضوعًا لتدخل سياسي. والنتيجة أن مثل هذا الخطاب قد لا يحمي بقدر ما يوصم، محولًا الاختلاف الثقافي إلى مسألة أمنية.

خُمَيَّلة: حظر مقنَّع بالحياد

فيما يخص الجدل حول المذكرة التي أقرها مجلس بلدية خُمَيَّلة، يدافع فيخّو بالقول إنه “لم يُحظر أي دين”، وأن البلدية مارست صلاحيتها بحجز المرافق الرياضية للرياضة فقط. غير أن هذا القرار نشأ أصلًا من مقترح لحزب فوكس كان يستهدف منع الاحتفالات الإسلامية، خاصة المرتبطة بعيد الأضحى.

تقديم هذا القرار كأنه محايد هو مثال على مغالطة المساواة الشكلية: ففي الواقع، الإجراء يؤثر مباشرة على مجتمع بعينه كان يستخدم هذه المرافق، بينما أثره على باقي الديانات يظل رمزيًا فقط.

بين الحساب السياسي والتعايش الاجتماعي

يؤكد فيخّو أن لإسبانيا جذورًا مسيحية عميقة وأن الدين الكاثوليكي هو الأغلبية، وهو أمر لا جدال فيه من الناحية التاريخية والثقافية. لكن التحدي الحقيقي في دولة ديمقراطية ليس تأكيد الأغلبية، بل ضمان تمتع الأقليات بحقوق كاملة ومن دون وصم.

وعندما يتهم الحكومة بأنها “معادية للإكليروس” و“منافقة”، فإنه يسقط في نفس الشعبوية التي يقول إنه ينتقدها لدى فوكس: أي استخدام الدين كسلاح انتخابي. النتيجة ليست تقوية التعايش، بل تغذية إحساس بوجود صراع ثقافي.

ما ينبغي أن يكون مهمًا: المساواة واللادينية

إسبانيا لا تحتاج إلى المزيد من الجدل حول أي دين يحصل على “حماية” أكبر، بل إلى التزام سياسي حقيقي بمبدأ حياد الدولة الديني والمساواة الفعلية بين المواطنين بغض النظر عن معتقداتهم. وهذا يقتضي ليس فقط احترام الحرية الدينية، بل أيضًا تجنب استغلالها في المعارك الحزبية.

فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بمجرد رسم مسافة خطابية عن التطرف، بل بقدرة على تفكيك الأطر التي تغذيه. وفي هذا المجال، يبدو أن فيخّو ما يزال أكثر انشغالًا بالتنافس مع فوكس منه بالدفاع عن أفق مشترك للتعايش.

شارك المقال

شارك برأيك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *