منير لكماني
الصخب يعلو كالمدّ الجارف، يغمر الأرواح ويبتلع الصمت الذي تحتاجه العقول لتصفو. كلمات تتناثر كشرر سريع، تبهر لحظة ثم تنطفئ، أحاديث تتقاطع بلا مستقر، وضحكات تتعالى بلا عمق. المشهد أشبه بمسرح كبير: مقاعد ممتلئة، أصوات متداخلة، لكن النص الغائب هو الفكرة الحقيقية.
وأمام هذا المشهد يطل السؤال: أين يولد الفكر الأصيل؟ أفي ضجيج الطاولات المتهالكة التي يثقلها دخان النرجيلة وضوضاء الكراسي البلاستيكية، أم في صمت مكتبة يختبئ وراء زجاجها الغبار، حيث تتنفس الحروف ببطء، ويختمر المعنى كما يختمر العنب في ظلال الكروم؟
مقاهٍ تُنفق الكلام
المقاهي اليوم تعج بالمشاهد المكرورة: مجموعة من الشباب يتحلقون حول طاولة صغيرة. أحدهم يتحدث بحماسة عن السياسة وكأنه يملك مفاتيح الدولة، آخر يناقش كرة القدم كأنه خبير عالمي، ثالث يسخر من أوضاع العالم وهو لم يقرأ يومًا صحيفة كاملة. بين رشفة شاي وضحكة صاخبة، تُطلق الأحكام كسهام في الهواء، وتُذكر أسماء فلاسفة لم تُفتح لهم صفحة واحدة. تنتهي الجلسة مع آخر نفس من النرجيلة، وتذوب الكلمات كما يذوب السكر في الفنجان، بلا أثر يُذكر.
مكتبات تنام على أسرارها
على مقربة من تلك الضوضاء، قد تجد مكتبة قديمة شبه مهجورة، تتراكم كتبها بصبر فوق رفوف متعبة. يدخلها طالب شغوف، يبحث بين العناوين عن ما يغذي عقله. هناك، في هذا الصمت البارد، تُولد الأفكار التي لا تموت. القارئ يقلب الصفحات ببطء، يضع خطًا تحت جملة، يتأملها طويلًا، ثم يبتسم لأنه اكتشف نافذة جديدة نحو العالم. هذه اللحظة الصغيرة أغنى من ساعات طويلة يقضيها آخرون في نقاش لا ينتهي فوق طاولة متهالكة.
وهم التفكير
كثيرون يخلطون بين كثرة الحديث وعمق الفكر. ترى أحدهم يرفع صوته في المقهى، يناقش الوجود والحرية والعدالة، بينما لم يقرأ في حياته سوى عناوين سريعة على شاشة هاتفه. الفكرة التي لا تُختبر بالقراءة ولا تُصقل بالتأمل، لا تصمد أمام الزمن. هي مجرد زينة كلام، كمن يضع تاجًا من ورق على رأسه ثم يتفاخر به حتى يذوب عند أول مطر.
الحاجة إلى صمت الخلوة
الفكر يولد في لحظات العزلة. في بيت متواضع، يجلس شاب في ركن صغير، يضع كتابًا بين يديه، يدوّن ملاحظاته بقلم رصاص، يرفع رأسه ليفكر في جملة تهز قلبه. في حافلة مزدحمة، تلمح رجلاً يقرأ بهدوء رغم الضجيج، يسرق من الوقت لحظة صافية. تلك اللحظات البسيطة أعمق من ساعات نقاش صاخب في مقهى مكتظ. الصمت هنا ليس فراغًا، بل حقلًا خصبًا يُنبت المعاني، ويُخرج من العزلة ثمراً لا يذبل.
أمة تُعمر مقاهيها وتُفرغ مكتباتها، لا ترسم مستقبلها بل تؤجل كتابته.
فهل آن لنا أن نستعيد عادة الجلوس مع الكتاب، لا كزينة على رف، بل كرفيق يُشاركنا العمر؟
هل ندرك أن جلسة صامتة مع كتاب قد تفتح أبوابًا أعرض من مئة نقاش في مقهى مزدحم؟
وهل نجرؤ على إعادة الصمت إلى مكانته، ليعود الفكر سيدًا لا تابعًا للثرثرة؟