الاستقرار أولاً.. ترشيح بيريز لوركا خطة الحزب الشعبي لإنهاء الأزمة في بلنسية

11 November 2025 - 18:58

في تطور سياسي يعكس حسابات دقيقة وتوازنات معقدة، أقدم الحزب الشعبي على خطوة حاسمة لتشكيل المصير السياسي لمنطقة بلنسية إحدى أهم المناطق الاقتصادية والديموغرافية في إسبانيا من خلال الإعلان عن ترشيح خوان فران بيريز لوركا الرجل الثاني في فريق الرئيس السابق كارلوس ماثون ووزير المالية السابق في حكومة المنطقة، لتولي منصب رئاسة “الجنراليت” (حكومة المنطقة).

وجاء هذا القرار تتويجاً لسلسلة من المشاورات المكثفة والمعقدة التي قادتها القيادة الوطنية للحزب بقيادة زعيمه، ألبيرتو نونييث فيخو، من المقر الوطني في حي جينوفا بمدريد وقد مثل اتصالاً هاتفياً جرى صباح يوم الثلاثاء بين فيخو وبيريز لوركا الإطار الرسمي لنقل القرار، مما يسلط الضوء على الطبيعة المركزية لإدارة الملف من قبل القيادة العليا ولم يكن الاتصال مجرد إجراء شكلي بل حمل في طياته رسالة سياسية واضحة مفادها أن عملية الخلافة قد انتقلت من الإطار المحلي لتصبح “قضية وطنية مصيرية” يتحكم فيها مقر الحزب الرئيسي.

ويهدف القرار، بحسب البيان الرسمي الصادر عن الحزب، إلى “توفير الاستقرار السياسي لمنطقة بلنسية في أسرع وقت ممكن”، وذلك في إشارة واضحة إلى الرغبة في طي صفحة المرحلة الانتقالية التي أعقبت الانتخابات، وفتح صفحة جديدة من الحكم المستقر القادر على معالجة التحديات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة ويضع الحزب نصب عينيه عقد جلسة التثبيت البرلمانية في أقرب فرصة، ساعياً لتجنب أي فراغ سياسي قد يهدد استقرار المنطقة.

استراتيجية “الاستمرارية المدروسة”: لماذا بيريز لوركا؟

يمثل اختيار بيريز لوركا تجسيداً لاستراتيجية “الاستمرارية المدروسة” التي يتبناها الحزب الشعبي. فبيريز لوركا ليس وجهاً جديداً على المشهد السياسي البلنسي، بل هو ركن أساسي في هندسة حكومة ماثون السابقة، حيث شغل منصب المستشار الأول ووزير المالية. هذه الخلفية الإدارية والمالية العميقة تمنحه صفة “مرشح الخبرة والتجربة”، وهو ما يراهن عليه الحزب لطمأنة الناخبين والشركاء على حد سواء.

إن اختيار شخصية من داخل النظام القائم، وعلى دراية تامة بملفات المنطقة وميزانياتها وتعقيداتها الإدارية، يهدف إلى تقديم صورة للاستقرار والكفاءة، مع تجنب مخاطر الصدام مع أي من أجنحة الحزب المحلية. كما أن معرفة بيريز لوركا التفصيلية بملف التمويل – أحد الملفات الشائكة والمعقدة – يضعه في موقع قوي لإدارة المفاوضات المستقبلية مع الحكومة المركزية في مدريد.

عملية التشاور الداخلي: بناء الجبهة الموحدة

ولم تكن عملية الترشيح قراراً فردياً أو مفاجئاً، بل جاءت نتيجة عملية تشاورية داخلية امتدت على عدة أيام وشملت جميع المستويات. فقد كُلف الأمين العام للحزب، ميغيل تييادو، بمهمة حيوية تتمثل في إحاطة رؤساء الحزب في المحافظات الثلاث المكونة لمنطقة بلنسية – بلنسية، أليكانتي، كاستيون – بقرار القيادة الوطنية. وأفادت مصادر حزبية داخلية أن القرار قوبل “بدعم موحد” من جميع هذه الأقاليم، في مؤشر على نجاح القيادة الوطنية، مؤقتاً على الأقل، في احتواء أي خلافات محتملة وتقديم جبهة داخلية متجانسة أمام الرأي العام وأمام شركاء التحالف.

وهذا التوحد الداخلي يعد عاملاً بالغ الأهمية قبل خوض غمار المفاوضات الخارجية الأكثر صعوبة مع حزب فوكس، حيث أن أي انقسام داخلي قد يضعف الموقف التفاوضي للحزب الشعبي ويعطي حزب فوكس ورقة ضغط إضافية.

المفاوضات المقبلة: اختبار حقيقي للإرادة السياسية

ويترقب المشهد السياسي في بلنسية الآن الخطوة التالية الحاسمة، وهي مرحلة التواصل الرسمي مع شركاء التحالف المحتملين. فقد أكد الحزب الشعبي في بلنسية (PPCV) أنه سيقوم بإبلاغ قرار الترشيح رسمياً إلى حزب فوكس، الشريك الأساسي في كثير من التحالفات المحلية والعامة، وكذلك إلى جميع الكتل السياسية الممثلة في برلمان بلنسية.

وتشير المعلومات الواردة من دائرة صنع القرار إلى أن عملية اختيار الخليفة لم تكن محصورة بين جدران المقر الوطني للحزب الشعبي فحسب، بل شملت قنوات اتصال وتنسيق مكثفة مع نظرائه في قيادة حزب فوكس على المستوى الوطني. هذا التفاعل يسلط الضوء على الطبيعة المركزية لإدارة التحالفات في المشهد السياسي الإسباني الحالي، حيث يتم فرض منطق التوازنات الوطنية على الخصوصيات الإقليمية في كثير من الأحيان.

التحديات المستقبلية: على طريق تشكيل الحكومة

رغم الإعلان الرسمي، فإن الطريق أمام بيريز لوركا لتولي منصبه لا يزال محفوفاً بالتحديات. فأولى هذه التحديات ستكون مفاوضات تشكيل الحكومة مع حزب فوكس، والتي من المتوقع أن تكون شاقة. فحزب فوكس، الذي يدرك حجم ضغط الحزب الشعبي لتحقيق الاستقرار، قد يدفع بثمن سياسي عالٍ مقابل دعمه، ربما يتعلق بسياسات إقليمية حساسة أو بمزيد من الحقائب الوزارية في الحكومة القادمة.

باختصار، يعد ترشيح خوانفران بيريز لوركا محاولة من الحزب الشعبي لخلق معادلة سياسية جديدة في بلنسية تجمع بين الاستمرارية في السياسات والخبرة الإدارية من جهة، وبين المرونة التفاوضية اللازمة لضمان دعم حزب فوكس من جهة أخرى إن نجاح أو فشل هذه المعادلة لن يحدد فقط من سيجلس على كرسي رئاسة الجنراليت، بل سيحدد أيضاً ملامح الخريطة السياسية في منطقة حيوية لإسبانيا لسنوات قادمة.

شارك المقال

شارك برأيك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *