تسعى المملكة المغربية إلى الجمع بين تقليد عريق في جمع المعلومات ومتطلبات عالم مترابط، وفق تقرير “الاستخبارات في المغرب: التطور القانوني، التحولات الاستراتيجية وقضايا السيادة في عصر التهديدات الهجينة” الصادر في أغسطس عن معهد R.O.C.K.
ويذكر التقرير المسار المميز لعبد اللطيف الحموشي على رأس القطب المديرية العامة للأمن الوطني – المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، مشيرًا إلى أنه “في عالم معولم، حيث تنتقل المعلومات أسرع من القوانين، تصبح أجهزة الاستخبارات أساسية لاستباق التهديدات وتقليل حالة عدم اليقين والحفاظ على الاستقرار الداخلي”. وفي المغرب، “تُعد هذه المهمة جزءًا من تقليد سياسي قديم، حيث كان جمع المعلومات دائمًا في خدمة الدفاع عن الوحدة الترابية والحفاظ على النظام الاجتماعي”. لكن التقرير يؤكد أن الاستخبارات المغربية مطالبة اليوم بـ”التوفيق بين فعالية العمل الميداني والالتزام بالقوانين الوطنية والدولية (حقوق الإنسان، حماية البيانات)”.
من الاستقلال إلى إعادة الهيكلة
بعد الاستقلال سنة 1956، أعاد المغرب تنظيم البُنى الموروثة عن الحماية، فأنشأ المديرية العامة للدراسات والتوثيق (DGED) الموجهة للعمل الخارجي، ومديرية مراقبة التراب الوطني (DST، التي أصبحت DGST) لمواجهة التهديدات الداخلية. كما عززت الاستخبارات العامة (RG) للشرطة الوطنية والدرك الملكي دورهما: إذ تتولى الاستخبارات العامة المتابعة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فيما طور الدرك الملكي قدراته الاستخباراتية في الوسطين القروي والاستراتيجي. كان الإطار القانوني حينها “بدائيًا ومركزيًا للغاية”، يستند إلى شرعية الأمن أكثر من اعتماده على منظومة قانونية منظمة.
منعطف 16 ماي 2003
شكّلت تفجيرات الدار البيضاء الانتحارية، التي أودت بحياة 45 شخصًا وأصابت أكثر من مئة، نقطة تحول؛ إذ دفعت إلى اعتماد قانون 03-03 لمحاربة الإرهاب بشكل عاجل، والذي يجرّم الإعداد للعمليات الإرهابية، والانتماء للجماعات الإرهابية، وتمويلها، والدعاية لها. كما أدرج أنشطة الاستخبارات في إطار قانوني أوضح، مع تعزيز المساطر القضائية والتعاون الدولي.
من الإصلاح الدستوري إلى البنية الحالية
كرّس دستور 2011 هذه الأنشطة في إطار دولة القانون؛ حيث نصّ الفصل 24 على “حماية الحياة الخاصة وسرية الاتصالات”، والفصل 27 على الحق في الحصول على المعلومات، مع استثناءات مرتبطة بالأمن والدفاع. ويتعين على الأجهزة تبرير “أي تدخل في الحياة الخاصة بمرجعية قانونية واضحة وهدف مشروع ورقابة من سلطة مختصة”.
يتألف الجهاز المؤسساتي الحالي من: DGST، DGED، المكتب المركزي للأبحاث القضائية (BCIJ)، الهيئة الوطنية للاستخبارات المالية (ANRF)، اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات (CNDP)، والمديرية العامة لأمن نظم المعلومات (DGSSI). ويجيز الفصل 108 من قانون المسطرة الجنائية “بإذن قضائي، اعتراض الاتصالات في إطار التحقيقات المتعلقة بالجرائم الخطيرة، وخاصة الإرهاب”. وتكمل قوانين أخرى هذا الإطار: قانون 53-05 لسنة 2007 حول المبادلات الإلكترونية، قانون 09-08 لسنة 2009 حول حماية المعطيات، وقانون 05-20 لسنة 2020 حول أمن نظم المعلومات، مع الالتزام باتفاقية بودابست والاتفاقية 108+.
هذا التطور يعكس رغبة المغرب في مواءمة الممارسات العملياتية مع المعايير الدولية، مع الحفاظ على خصوصيته الوطنية، مع إعطاء الأولوية للسيادة والقدرة على الاستجابة السريعة.
تهديدات ناشئة وهشاشات جديدة
يرى التقرير أن مشهد التهديدات قد تغيّر؛ فإلى جانب الإرهاب العابر للحدود، هناك “حملات تضليل عبر وسائل التواصل الاجتماعي تستهدف مصداقية المؤسسات” و”هجمات سيبرانية منسقة ضد الوزارات والبنى التحتية الطاقية والبنوك”. وقد شهدت الجريمة الإلكترونية “نموًا هائلًا خلال العقد الأخير” شمل برامج الفدية، والاختراقات المالية، وسرقة البيانات الحساسة.
كما تشمل المخاطر الجديدة استخدام الذكاء الاصطناعي لأغراض هجومية (إنتاج فيديوهات مزيفة عميقة لأغراض سياسية، نشر التضليل الآلي)، والتهديد الكمي الذي قد يجعل أنظمة التشفير الحالية غير فعالة (“اجمع الآن، فكّ لاحقًا”). ويؤكد التقرير أن مواجهة هذه الأخطار تتطلب مزيدًا من التعاون الدولي وتحديثًا مستمرًا للمقتضيات القانونية المتعلقة بالجريمة السيبرانية والجريمة المنظمة.
كما تبرز الحرب الهجينة التي تدمج العمليات السيبرانية بالضغوط الاقتصادية والتأثير الإعلامي، مما يفرض على المغرب تطوير بروتوكولات سريعة للتعامل القانوني والردع الفوري.
توصيات لإطار مرن وسيادي
يقترح التقرير اعتماد قانون إطار يحدد مهام وصلاحيات وحدود عمل الأجهزة، “لتعزيز الشرعية الديمقراطية وتوفير مرجعية واضحة للعاملين”. ومن بين الأولويات: تحديث الفصل 108 من قانون المسطرة الجنائية، إدماج معايير تقنية متقدمة، وإيجاد آليات قانونية لجمع الأدلة خارج البلاد.
كما يوصي التقرير بتوضيح تطبيق قانون 05-20 بفرض عمليات تدقيق إلزامية على البنى التحتية الحيوية، مع عقوبات تدريجية في حال المخالفة، وتنظيم مناورات وطنية سنوية لمحاكاة الأزمات السيبرانية. ويقترح أيضًا تدقيقًا شاملًا للأنظمة التشفيرية، والانتقال التدريجي إلى التشفير ما بعد الكمي، وإنشاء حوكمة وطنية للذكاء الاصطناعي الأمني تضم DGSSI وCNDP وHACA ووزارة العدل وخبراء أكاديميين.
وفي الختام، يدعو التقرير إلى إصدار تقرير سنوي عن أنشطة الاستخبارات، يتضمن “إحصائيات مجمّعة عن الاعتراضات، الحوادث السيبرانية، وتفكيك الخلايا، دون كشف بيانات عملياتية حساسة”، بهدف “تعزيز ثقة الرأي العام” ورفع مصداقية المملكة أمام شركائها.
سيادة يجب الحفاظ عليها في أفق 2030
يرى معدو التقرير أن المغرب أطلق “تحولًا عميقًا على المستويين القانوني والعملياتي”، وأنه بنى “منظومة تشريعية منسجمة تؤطر عمل الأجهزة وتستجيب في الوقت نفسه للمعايير الدولية”. ويعتبر هذا التطور “استثمارًا استراتيجيًا في شرعية الدولة ومصداقيتها وقدرتها على الصمود”.
وبحلول 2030، ستصبح القدرة على التكيف “عاملًا حاسمًا في الحفاظ على السيادة”. وسيكمن التحدي في البقاء، في عصر الذكاء الاصطناعي والتقنيات الكمية، “في طليعة الوقاية والسيطرة على المعلومات وحماية المصالح الوطنية”، مع الحفاظ على ثقة المواطنين والحلفاء. ويخلص التقرير إلى أن المغرب أثبت “قدرته على الجمع بين الأمن واحترام الحريات”، وينبغي أن يواصل هذا النهج في بيئة باتت فيها البيانات مادة أولية وساحة معركة في الوقت ذاته.