منير لكماني : القنيطرة
البداية من الداخل
النهضة الحقيقية لا تبدأ من الشعارات أو الخطابات، بل من بناء الأساس الصلب داخل المجتمع، أي من المؤسسات. فالمؤسسة هي ذاكرة الأمة، تحفظ تجاربها وتوجّه حاضرها نحو مستقبل أفضل.
وحين تكون هذه المؤسسات عادلة ومنفتحة على الإصلاح، فإنها قادرة على تصحيح أخطائها دون ضجيج. فالنظام العادل يشبه النهر: يسير بهدوء، لكنه يشق طريقه حتى في الصخور الصلبة.
العدالة أساس العمران
العدالة ليست فقط إنصاف مظلوم، بل نظام يمنع الظلم قبل أن يقع. فهي توازن بين الحقوق والواجبات، وبين المصلحة العامة والفردية.
عندما تعمل المؤسسات بعدل وشفافية، يشعر الناس بالأمان، فيحترمون القانون بدافع الضمير لا خوفًا من العقاب. ولهذا فالعدل ليس مجرد شعار سياسي، بل هو الأساس الذي يقوم عليه أي ازدهار حقيقي.
القانون يحتاج إلى ثقافة
القانون لا ينجح إذا لم يكن المجتمع مستعدًا لتطبيقه. فحين يدرك الناس أن المصلحة العامة جزء من كرامة كل فرد، يصبح القانون تعبيرًا عن أخلاقهم. أما إذا غابت هذه القناعة، فإن القانون يفقد معناه مهما كانت نصوصه قوية.
المؤسسة التي تُعلّم الناس الانضباط والاحترام كل يوم، تُنشئ فيهم حسًّا مدنيًا يجعلهم يلتزمون بالنظام من تلقاء أنفسهم. فحين يؤدي الموظف عمله بإخلاص، والمواطن ينتظر دوره بصبر، والمسؤول يقدّم القدوة قبل الأوامر، تتجذر ثقافة العدل في المجتمع دون الحاجة إلى شعارات كبيرة.
الإصلاح خطوة بخطوة
التغيير لا يحدث دفعة واحدة، بل هو عملية تراكمية تحتاج إلى وقت وصبر. فالأمم التي تجاوزت الفقر والتخلف فعلت ذلك بالإصرار على الإصلاح المستمر، لا بالقرارات السريعة.
كل تحسين صغير في إدارة أو قانون هو خطوة في طريق طويل نحو الثقة العامة. الإصلاح الحقيقي لا يُحدث ضوضاء، بل يُحدث فرقًا ملموسًا يشعر به الناس في حياتهم اليومية.
العدالة والتنمية وجهان لعملة واحدة
عندما تُبنى التنمية على العدالة والمشاركة، تتحول كفاءة الأفراد إلى طاقة وطنية. فكل فكرة تجد فرصة للتنفيذ، وكل مبادرة تلقى دعمًا، تزيد من إحساس الناس بأنهم جزء من مشروع وطني.
النمو لا يُقاس فقط بما يُنتج، بل بما يحققه من فرص متكافئة، وما يغرسه من أمل وثقة. حين يشعر المواطن أن المؤسسة تنصفه، يصبح حريصًا على استقرار بلده ويشارك في حمايته.
الإصلاح من داخل المؤسسة
تاريخ الأمم يُظهر أن أعظم التحولات بدأت من داخل المؤسسات نفسها. فالمراجعة المستمرة والتحديث الدائم هما سرّ بقاء الأنظمة القوية. والمجتمعات التي تدرك أن الإصلاح الذاتي هو الطريق الآمن نحو التقدم، لا تحتاج إلى الثورات لتتطور.
أما النخب التي تفهم أن تجديد المؤسسات لا يهدد مكانتها، بل يحميها، فهي التي تضمن استقرار الدولة واستمرارها.
المؤسسة كضمير وطني
حين تتحول المؤسسة إلى فضاءٍ للثقة والتعليم، لا إلى مكانٍ للخوف والبيروقراطية، تكون الأمة قد وجدت طريقها للنهضة الحقيقية. فالمؤسسة العادلة تُصلح نفسها كل يوم، دون حاجة لضغوط أو حملات.
إن بناء مؤسسة عادلة هو أفضل استثمار لأي بلد؛ لأنه يضمن المستقبل ويعيد الثقة في أن العمل العام يمكن أن يكون نزيهًا ومثمرًا في الوقت نفسه.
السؤال المفتوح
هل نستطيع أن نزرع في كل إدارة روح الإنصاف؟
وهل نملك الصبر لنفهم أن النهضة ليست قرارًا سريعًا، بل ثقافة تتجذر في العقول ببطء؟
حين يصبح العدل عادة وطنية، وتتحول المؤسسات إلى ضميرٍ حيٍّ للأمة، عندها فقط تستطيع أن تصون حاضرها وتكتب مستقبلها بعقلٍ ناضج وأملٍ كبير.